«ربِّ أوزعني».. لماذا يرى القرآن في منتصف العمر بداية النضج بينما يراه الإنسان أزمة؟

ألمانيا: منير لكماني
في الثقافة الإنسانية، قلما حظيت مرحلة عمرية بما حظيت به سنوات الأربعين من تصورات متناقضة. فمنذ أن افتتح الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري ملحمته «الكوميديا الإلهية» بقوله: «في منتصف رحلة حياتي وجدت نفسي في غابة مظلمة، واختفى من أمامي الطريق القويم»، ترسخت صورة منتصف العمر باعتباره منعطفا يكتنفه القلق، ويغشاه الضياع، ويستيقظ فيه الإنسان على أسئلة مؤجلة عن الزمن والموت وما بقي من العمر.
هذه الصورة الأدبية لم تبق حبيسة الشعر، بل تحولت مع الزمن إلى فكرة نفسية واسعة الانتشار عُرفت باسم «أزمة منتصف العمر»، حتى بات كثيرون يتعاملون معها وكأنها قدر لا مفر منه. لكن اللافت أن القرآن الكريم يقدم رؤية مغايرة تماما؛ فحين يبلغ الإنسان الأربعين لا يقوده إلى الغابة المظلمة، وإنما يضع على لسانه دعاء يفيض بالامتنان والمسؤولية: ﴿حَتّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾.
إنها مفارقة لافتة؛ فبينما تبدأ الرؤية الإنسانية من سؤال الضياع، تبدأ الرؤية الإلهية من سؤال الشكر.
تعود الصياغة العلمية لمفهوم «أزمة منتصف العمر» إلى المحلل النفسي إليوت جاك عام 1965، الذي رأى أن إدراك الإنسان لمحدودية عمره قد يدفعه إلى اضطرابات نفسية وسلوكية، فيحاول التشبث بالشباب عبر قرارات مفاجئة أو تغييرات جذرية في نمط حياته. ثم جاءت الكاتبة جيل شيهي في سبعينيات القرن الماضي لتكرس هذا المفهوم في الوعي الشعبي، حتى أصبح شراء سيارة رياضية، أو ترك الوظيفة، أو البحث عن مغامرة جديدة، علامات يفسرها الناس بوصفها أعراضا لأزمة منتصف العمر.
غير أن هذا التصور لم يصمد طويلا أمام الدراسات العلمية. فقد قدم عالم النفس إريك إريكسون قراءة أكثر اتزانا، معتبرا أن منتصف العمر ليس مرحلة انهيار، بل مرحلة مراجعة وإعادة ترتيب للأولويات، ينتقل فيها الإنسان من الانشغال بذاته إلى الاهتمام بما يتركه من أثر في الآخرين.
وجاءت الدراسات الميدانية لتؤكد ذلك بصورة أوضح. فقد أظهرت أبحاث مؤسسة «ماكارثر» أن الأشخاص بين الأربعين والستين غالبا ما يتمتعون بدرجة عالية من الاستقرار النفسي والإحساس بالقدرة على التحكم في حياتهم، بينما وصفت الباحثة مارجي لاشمان هذه المرحلة بأنها قد تكون ذروة الأداء النفسي والعقلي، حيث تتكامل الخبرة مع النضج والانفعالات المتزنة. بل إن بعض الدراسات بينت أن معدلات الاضطرابات العاطفية والصراعات الشخصية تكون أعلى في العشرينيات والثلاثينيات منها في منتصف العمر.
وهنا يلتقي العلم الحديث مع الرؤية القرآنية أكثر مما يلتقي مع الصورة الأدبية التي رسمها دانتي. فالقرآن لا يصور الأربعين بوصفها بداية العد التنازلي للحياة، بل بداية النضج الحقيقي. ولم يكن أول ما علمه للإنسان في هذه السن أن يتحسر على ما مضى، وإنما أن يعترف بالنعمة، وأن يستحضر فضل والديه، وأن يطلب العون على العمل الصالح.
ولعل كلمة «أوزعني» هي مفتاح هذه الرؤية كلها. فهي لا تعني مجرد الإلهام، بل تتضمن معنى التوفيق والمداومة والقدرة على تحويل المعرفة إلى سلوك. وكأن الإنسان عند الأربعين لم يعد محتاجا إلى مزيد من الأمنيات، بقدر حاجته إلى حسن توظيف ما وهبه الله من علم وخبرة وتجربة.
والفرق بين الرؤيتين يكشف اختلافا أعمق في فهم الإنسان نفسه. فالرؤية الإنسانية، في كثير من مدارسها، تنطلق من أن الزمن خصم، وأن التقدم في العمر اقتراب من النهاية، لذلك يصبح الماضي عبئا والمستقبل مصدر قلق. أما الرؤية الإلهية فتنظر إلى العمر باعتباره رحلة ارتقاء؛ فكلما ازداد الإنسان سنا ازدادت مسؤوليته، واتسعت حكمته، واقترب من مرحلة يكون فيها أكثر قدرة على الشكر والإصلاح والعطاء.
ولا يعني هذا أن منتصف العمر يخلو من التحديات أو الأسئلة الوجودية؛ فالإنسان بطبيعته يراجع مسيرته ويقارن بين ما حلم به وما أنجزه. لكن القرآن يحول هذه المراجعة من أزمة إلى عبادة، ومن قلق إلى دعاء، ومن خوف على ما فات إلى شكر على ما أُوتي.
لهذا، ربما يكون السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: هل توجد أزمة منتصف العمر؟ بل: أي رؤية تحكم نظرتنا إلى هذه المرحلة؟ فإذا كانت الثقافة الحديثة تبدأ من الغابة المظلمة، فإن القرآن يبدأ من دعاء النور: «رب أوزعني أن أشكر نعمتك». وبين الغابة والدعاء يتحدد معنى العمر كله؛ فإما أن يكون رحلة يطارد فيها الإنسان ما فقد، وإما أن يكون رحلة يكتشف فيها ما اكتسب، ويزداد قربا من ربه، وامتلاء بالحكمة، واستعدادا لترك أثر صالح في الحياة.



