بقلم: زهير أصدور-محام بهيئة الرباط
هناك ذكريات لا تبهت مهما تعاقبت السنوات، لأنها لا تحفظ حدثا عابرا، وإنما تحفظ قيمة، وتختزن فلسفة كاملة في نظرة رجل إلى مهنته.ومن بين أعمق الذكريات التي حملتها معي طوال مساري المهني، تلك التي تعود إلى صيف سنة 1990، يوم شيعنا جثمان الأستاذ الراحل الاتحادي محمد الفاروقي، رحمه الله.
بعد أداء صلاة الجنازة بمسجد الشهداء بالرباط، انطلق الموكب في اتجاه مقبرة الشهداء. كنت آنذاك محاميا متمرنا في سنتي الأولى، أخطو خطواتي الأولى داخل هذه المهنة النبيلة، وكانت تلك من أوائل الجنائز التي أحضرها لأحد قيدومي المحاماة.
كان من أعراف المهنة يومها أن يرتدي المحامون بدلة المحاماة عند تشييع زملائهم. ولم يكن ذلك مجرد مظهر شكلي أو بروتوكول اجتماعي، بل كان تعبيرا عن الانتماء إلى أسرة مهنية، ورسالة وفاء لمن حملوا قبلنا شرف الدفاع عن الحقوق والحريات.
وأثناء الوصول إلى باب المقبرة، وجدت نفسي، بالمصادفة، أقف مباشرة إلى جانب النقيب الأستاذ محمد بوستة.ولمن لا يعرف الرجل، فقد جمع بين صفات قلما تجتمع في شخص واحد؛ كان نقيبا للمحامين، ووزيرا، وأمينا عاما لحزب الاستقلال، وأحد أبرز رجالات الدولة والقانون في المغرب.
وبكل تلقائية، تنحيت جانبا لأفسح له الطريق.كان ذلك في نظري تصرفا عاديا يمليه الاحترام. فهو أكبر مني سنا، وأسبق مني مهنة، وأرفع مني مكانة.لكن الذي وقع بعد ذلك ظل محفورا في ذاكرتي إلى اليوم.
توقف الأستاذ محمد بوستة، ورفض أن يعبر الباب.وأشار إلي أن أتقدم.ترددت، فكرر طلبه.ثم قال لي بالحرف:“أنت الذي تلبس اليوم بدلة المحاماة، أما أنا، فرغم أنني نقيبك، فلا أرتدي البدلة.
ولذلك فأنت الذي تتقدم.”لم يكن كلاما عابرا.كان درسا كاملا في معنى المحاماة.في تلك اللحظة، لم يمنحني محمد بوستة الأسبقية لأنني أنا زهير أصدور، فأنا يومها لم أكن سوى محام متمرن في بداية الطريق.
لقد منح الأسبقية لبدلة المحاماة.لقد كان يرى أن البدلة، متى ارتديت، أصبحت تمثل المهنة كلها، وأن احترامها واجب على الجميع، بمن فيهم النقيب نفسه.وتعلمت يومها أن المحامي لا يستمد هيبته من اسمه، ولا من سنه، ولا من موقعه، وإنما من الرسالة التي يحملها، والتي تجسدها تلك البدلة السوداء.ولم يكن محمد بوستة في تلك اللحظة وزيرا سابقا، ولا زعيما حزبيا، ولا رجل دولة.
كان محاميا فقط.وكان ذلك أعظم ما فيه.لقد أدرك أن المناصب زائلة، أما المحاماة فباقية.وأن من احترم المهنة، احترم نفسه، مهما علت مسؤولياته.
كلما تذكرت ذلك المشهد، ازددت يقينا بأن قوة المحاماة لم تكن يوما في نصوصها القانونية وحدها، وإنما في رجالها ونسائها الذين جعلوا من أعرافها وتقاليدها جزءا من شخصيتهم.فالمحاماة لا تعيش بالقوانين فقط.إنها تعيش أيضا بالوفاء.وتعيش بالذاكرة.وتعيش بالرموز.وتعيش بالاحترام المتبادل بين أجيالها.
ولهذا كانت البدلة دائما أكثر من لباس.كانت هوية.وكانت عنوانا للاستقلال.وكانت رمزا لرسالة الدفاع عن الحقوق والحريات.وأنا أستحضر تلك الواقعة اليوم، لا أستطيع إلا أن أتوقف أمام مفارقة مؤلمة.ففي سنة 1990، كان وزير سابق، ونقيب سابق، وأمين عام لحزب الاستقلال، يتراجع خطوة إلى الوراء احتراما لبدلة المحاماة.أما اليوم، فإن الساحة تعيش واحدة من أعقد الأزمات في تاريخ العلاقة بين وزارة العدل والمحامين، على خلفية مشروع قانون المهنة، الذي أثار رفضا واسعا داخل هيئات المحامين، وأدى إلى إضرابات ووقفات احتجاجية ونقاش مهني غير مسبوق.وليس من شأني أن أحاكم الأشخاص، ولكن من حقي، كمحام عاش جيلين مختلفين، أن أقارن بين منهجين.منهج كان يعتبر أن المنصب يزيد صاحبه تواضعا أمام المحاماة.ومنهج آخر يرى كثير من المحامين أنه عمق هوة الخلاف مع المهنة، بعدما تحولت العلاقة إلى سجال حاد، وتبادل لانتقادات وتصريحات تركت أثرا عميقا في نفوس عدد كبير من المحامين والمحاميات.
ولعل أشد ما يؤلمني في هذه المفارقة أن وزير العدل الحالي ليس غريبا عن المحاماة، بل هو أحد أبنائها، ومن فوج 1989 الذي أنتمي إليه. لذلك كان الأمل كبيرا في أن يكون أكثر الناس إدراكا لأعرافها وتقاليدها، وأشدهم حرصا على مكانتها واستقلالها. غير أن الواقع قاد إلى أزمة عميقة بين الوزارة والمحامين، في مشهد لم يكن كثير منا يتصور أن يعيشه يوماوكان الأمل أن يكون وجود محام على رأس وزارة العدل مناسبة لتعزيز جسور الثقة بين الدولة والمحاماة، وأن يكون أكثر الناس حرصا على حماية استقلال المهنة وصون كرامتها.
لكن الواقع أفرز نقاشا حادا وخلافا عميقا حول مستقبل المحاماة، وهو ما تعكسه الاحتجاجات التي تعرفها الهيئات المهنية في مختلف ربوع المملكة.
وتزداد المفارقة عمقا عندما نستحضر أن الحزب نفسه الذي أنجب الأستاذ محمد بوستة، الرجل الذي لقنني ذلك الدرس الخالد عند باب مقبرة الشهداء، شهد تصويت عدد من زملائنا البرلمانيين لصالح مشروع قانون ترفضه أغلبية واسعة من المحامين، وتعتبره مسا بجملة من الضمانات المهنية.
ولست هنا بصدد محاكمة مواقف سياسية، فلكل نائب قناعاته، ولكل حزب خياراته.لكنني أتحدث عن رمزية التاريخ.عن الفرق بين مدرسة كانت تعتبر المحاماة جزءا من هويتها، ومدرسة أصبحت الحسابات السياسية فيها تتقدم، في نظر كثير من المحامين، على الإرث المهني الذي بناه الرواد.كلما اشتدت الأزمة، عدت بذاكرتي إلى ذلك الباب.باب مقبرة الشهداء.أرى الأستاذ محمد بوستة واقفا.وأسمعه يردد:“أنت الذي تلبس اليوم بدلة المحاماة، أما أنا، فرغم أنني نقيبك، فلا أرتدي البدلة، ولذلك فأنت الذي تتقدم.”اليوم أفهم أن الرجل لم يكن يطلب مني المرور.كان يطلب من المحاماة أن تبقى دائما في المقدمة.
رحم الله الأستاذ محمد بوستة.ورحم جيلا كان يرى أن المناصب مهما علت، لا يجوز لها أن تتقدم على بدلة المحاماة.فإذا ضاعت هيبة البدلة، ضاع معها جزء كبير من هيبة العدالة نفسها.



