طالب ناميبي يبتكر هاتفاً بلا رصيد..من النفايات الإلكترونية إلى شبكة اتصال مبتكرة

في زمن أصبحت فيه الهواتف الذكية عنواناً للتطور التكنولوجي، اختار طالب جامعي من ناميبيا أن يسلك طريقاً مختلفاً، يبدأ من حيث تنتهي الأجهزة الإلكترونية، فمن خلال قطع مستخرجة من هواتف قديمة وأجهزة تلفزيون ومعدات إلكترونية مهملة، تمكن سايمون بيتروس من تصميم نموذج جهاز اتصال متعدد الوظائف، قادر على إجراء المكالمات عبر نظام راديو دون الحاجة إلى شراء رصيد للهاتف المحمول.
الفكرة، التي بدأت عندما كان بيتروس لا يزال تلميذاً في المدرسة الثانوية، لم تكن مجرد تجربة تقنية عابرة، بل محاولة للإجابة عن مشكلة واقعية تعيشها مجتمعات ريفية ومناطق نائية، حيث تظل تغطية شبكات الاتصالات محدودة، فيما قد تكون خدمات الاتصال التقليدية مكلفة أو غير مستقرة.
ويأتي الجهاز الذي صممه بيتروس في شكل صندوق إلكتروني بسيط، لكنه يجمع مجموعة من الوظائف التي تتجاوز بكثير مظهره المتواضع. فقد زوده بنظام راديو، وجهاز تلفزيون، ومصباح للإضاءة، ومروحة، فضلاً عن منافذ لشحن الأجهزة الإلكترونية. غير أن الوظيفة الأكثر إثارة للاهتمام تتمثل في قدرته على إجراء اتصالات تعتمد على موجات الراديو، بما يتيح التواصل من دون الاعتماد المباشر على رصيد المكالمات الهاتفية التقليدي.ولا تكمن أهمية الابتكار في مكوناته التقنية فحسب، بل في الفكرة الاجتماعية التي تقف خلفه.
فقد وضع بيتروس في ذهنه احتياجات السكان الذين يعيشون في مناطق لا تصل إليها شبكات الاتصالات بصورة موثوقة، أو تصل إليها بإشارات ضعيفة تجعل التواصل اليومي أمراً صعباً. ومن هنا، حاول تحويل التكنولوجيا من منتج باهظ التكلفة إلى حل عملي يمكن بناؤه من موارد متاحة ومهملة.
واللافت في قصة هذا الاختراع أن صاحبه لم يبدأ من مختبر متطور، ولم يعتمد على ميزانية ضخمة أو تجهيزات بحثية باهظة. كانت البداية مجموعة من المكونات المستعملة، وفضولاً علمياً، وفكرة تحولت تدريجياً إلى نموذج قابل للعمل.
وقد منح هذا المشروع بيتروس المركز الأول في مسابقة تكنولوجية مدرسية على المستوى الإقليمي، قبل أن يحظى اختراعه باهتمام أوسع، باعتباره نموذجاً على قدرة الشباب الأفارقة على إنتاج حلول تقنية تنطلق من الواقع المحلي، بدلاً من الاكتفاء باستهلاك التكنولوجيا المستوردة.
وتحمل تجربة بيتروس رسالة أوسع من مجرد صناعة هاتف من النفايات الإلكترونية؛ فهي تبرز الإمكانات الكبيرة التي تختزنها عملية إعادة تدوير المكونات الإلكترونية، خصوصاً في ظل التزايد العالمي للنفايات الإلكترونية وما تطرحه من تحديات بيئية واقتصادية.
كما تكشف التجربة أن الابتكار لا يرتبط دائماً بحجم الإمكانات المتاحة، بل بقدرة الإنسان على إعادة التفكير في الأشياء الموجودة حوله. فما يراه البعض مجرد هاتف قديم أو جهاز تلفزيون متعطل، قد يتحول في يد مبتكر شاب إلى مكوّن في منظومة تكنولوجية جديدة.
ومن ناميبيا، تقدم قصة سايمون بيتروس نموذجاً لابتكار إفريقي يحمل بعداً عملياً وإنسانياً؛ ذلك أن التكنولوجيا ليست بالضرورة ما نشتريه جديداً، وإنما ما نستطيع أن نصنعه مما هو متاح لخدمة من هم في أمسّ الحاجة إليه.
لقد امتلك الطالب قطعاً إلكترونية مهملة، وفكرة بسيطة، وإصراراً على جعل تلك القطع تتحدث إلى بعضها البعض؛ وكانت النتيجة نموذجاً يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الاتصالات منخفضة التكلفة، ودور الشباب في ابتكار حلول للمناطق التي لا تزال خارج نطاق الخدمات الرقمية التقليدية.



