حين يكون الوطن فوق الخلافات

بقلم: الحسن سنداني
كان من أمنياتي أن أرى، في لحظة من لحظات الشدة، كل أطياف المجتمع المغربي مصطفّة في صف واحد: أحزاباً يمينية ويسارية، جمعيات وهيئات مدنية، إسلاميين وعلمانيين، مؤيدين للسياسات الرسمية ومنتقدين لها، ومختلف الحساسيات الفكرية والسياسية التي تشكل فسيفساء هذا الوطن.
ليس لأننا متفقون في كل شيء، بل لأن هناك لحظات يجب أن نختلف فيها على التفاصيل، لكن نتفق فيها على الوطن.
اليوم، ونحن نتابع ما يحيط بالمغرب من تحديات ومناورات وضغوط، ومن بينها قضية سبتة المحتلة، وما يصدر عن جار السوء من مواقف ومكائد، يحق لنا أن نتساءل بصراحة: أين هو الصوت المغربي الواحد؟ وأين هي تلك الروح الوطنية التي تجعل الخلاف السياسي شيئاً، والدفاع عن الوطن شيئاً آخر؟
نعم، في المغرب مشاكل كثيرة.
هناك فقر وبطالة، وهناك اختلالات في التعليم والصحة، وهناك تفاوتات اجتماعية ومجالية، وهناك قرارات حكومية تستحق النقد والمساءلة، وهناك فساد ومحسوبية وممارسات نرفضها ونطالب بإصلاحها.
ومن حق المواطن أن يحتج، ومن حق المعارضة أن تنتقد، ومن حق الجمعيات أن تراقب، ومن حق الصحافة أن تكشف، ومن حق الجميع أن يطالب بدولة أكثر عدلاً وشفافية وكرامة.
لكن هل يعني ذلك أن نكره الوطن؟
هل يعني أن ننسى أن هذا الوطن هو الذي احتضننا؟
هل ننسى ترابه، وسماءه، وبحره، وجباله، ومدنه وقراه؟
هل ننسى رائحة الأرض بعد المطر، ودفء البيوت، وذاكرة الأجداد، وخيرات هذه الأرض التي أكلنا منها وشربنا منها وعشنا فوقها؟
هل ننسى أن الوطن أكبر من حكومة، وأكبر من حزب، وأكبر من مسؤول، وأكبر من خلاف سياسي عابر؟
الوطن ليس هو الحكومة.
والدفاع عن الوطن لا يعني تبرير أخطاء الحكومة.
وانتقاد الدولة أو المؤسسات لا يعني بالضرورة الخيانة أو العمالة.
لكن في المقابل، النقد لا ينبغي أن يتحول إلى جلد للذات، والمعارضة لا ينبغي أن تتحول إلى كراهية للوطن، والاختلاف السياسي لا ينبغي أن يصبح فرصة مجانية لمن يتربص بالمغرب.
نحن بحاجة إلى أن نفهم الفرق بين أن تكون معارضاً لسياسة معينة، وبين أن تكون معادياً لوطنك.
نحتاج إلى معارضة وطنية، وإعلام وطني، ومجتمع مدني وطني، ونقاش سياسي وطني.
نختلف كما نشاء، ونتصارع فكرياً وسياسياً كما نشاء، لكن عندما يتعلق الأمر بوحدة الوطن ومصالحه العليا، يجب أن تتوقف الحسابات الصغيرة.
فلا اليساري يفقد وطنيته لأنه يساري، ولا الإسلامي يفقد وطنيته لأنه إسلامي، ولا العلماني يفقد وطنيته لأنه علماني، ولا المحافظ يفقد وطنيته لأنه محافظ.
المغربي أولاً.
وهذه ليست دعوة إلى إسكات الأصوات المنتقدة، بل العكس تماماً: الوطن القوي هو الذي يسمح بالنقد، ويصحح أخطاءه، ويحاسب مسؤوليه، ويحارب الفساد، ويحمي الحريات، ويمنح أبناءه الأمل.
لكن الوطن القوي أيضاً هو الذي يعرف كيف يلتف أبناؤه حوله عندما تتعرض مصالحه ووحدته واستقراره للاستهداف.
فلا يعقل أن نختلف على كل شيء حتى نختلف على الوطن نفسه.
ولا يعقل أن نرى حملات التشويه والمناورات الخارجية، ثم ننشغل نحن بتبادل الاتهامات والشتائم، وكأن المغرب لا يعنينا جميعاً.
هذا الوطن يحتوي الجميع.
يحتوي من يختلف مع السلطة، ومن يدافع عنها.
يحتوي الغني والفقير، العامل والمقاول، الأستاذ والفلاح، الشاب والشيخ، الأمازيغي والعربي، ابن المدينة وابن القرية.
وفي النهاية، عندما تسقط الأقنعة السياسية، يبقى شيء واحد يجمعنا: المغرب.
لذلك، لا أريد مغرباً بلا معارضة، ولا مغرباً بلا نقد، ولا مغرباً بلا اختلاف.
أريد مغرباً يكون فيه الاختلاف قوة، لا خنجراً في ظهر الوطن.
أريد أحزاباً تختلف في البرامج، لكنها تتفق على الثوابت.
أريد جمعيات تنتقد الاختلالات، لكنها لا تسمح بتحويل معاناة المغاربة إلى مادة تستغل ضد بلدهم.
أريد مواطناً يطالب بحقه بقوة، لكنه لا يحتقر وطنه.
وأريد أن نتعلم جميعاً أن حب الوطن ليس أن نقول إن كل شيء بخير، بل أن نملك الشجاعة لنقول ما ليس بخير، والإرادة لإصلاحه، والوفاء للدفاع عنه عندما يحتاج إلينا.
فلننتقد ما يجب انتقاده، ولنصلح ما يجب إصلاحه، ولنحاسب من يستحق المحاسبة… ولكن لا ننسى الوطن.
فالوطن الذي نختلف داخله اليوم، هو نفسه الوطن الذي سيجمع أبناءنا غداً.
والتاريخ لا يرحم من باع وطنه من أجل خصومة سياسية عابرة.
المغرب أولاً… والخلافات بعد ذلك.



