Hot eventsأخبارأخبار سريعةإفريقياالرئيسيةالرادار الافريقي

إفريقيا بين اقتصاد الحرب واقتصاد الثروة..من يملك مفاتيح القارة السمراء؟

الرادار الإفريقي-صباح الاثنين 17 غشت 2026

عين الرباط على إفريقيا

لم تعد الهجرة في الضفة الجنوبية للمتوسط مجرد حركة بشرية تبحث عن طريق نحو أوروبا، بل تحولت إلى مؤشر شديد الحساسية على حجم الاختلالات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي تعيشها أجزاء واسعة من إفريقيا، وعلى طبيعة العلاقة التي تتشكل بين القارة الأوروبية وجوارها الإفريقي.

وفي الساعات الأخيرة، عادت سبتة السليبة إلى واجهة المشهد، بعدما شددت السلطات المغربية والإسبانية إجراءاتها الأمنية على الحدود، إثر دعوات انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيم محاولات عبور جماعية جديدة. وأعلنت مصادر إعلامية عن توقيف مئات الأشخاص أثناء محاولتهم الوصول إلى المدينة المحتلة، في وقت ما يزال فيه عدد من المهاجرين الذين تمكنوا من الوصول سابقاً عالقين داخل سبتة.

سبتة السليبة..الهجرة تختبر الشريك الأوروبي للمغرب

المشهد الحدودي لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية الحواجز الأمنية وانتشار القوات. فكل موجة هجرة جديدة تحمل معها سؤالاً أكبر: لماذا يستمر حلم الوصول إلى أوروبا في جذب آلاف الشباب، رغم المخاطر القاتلة التي تحيط بالطريق؟الجواب يوجد، في جزء كبير منه، داخل إفريقيا نفسها، الفقر، البطالة، النزاعات المسلحة، ضعف فرص الاندماج الاقتصادي، وتفاوت التنمية بين المناطق والدول.

لكن المشكلة لا تتوقف عند الضفة الإفريقية. فأوروبا نفسها تجد صعوبة متزايدة في التعامل مع الهجرة باعتبارها ملفاً أمنياً فقط، بينما تحتاج إلى مقاربة أوسع تربط الأمن بالتنمية والاستثمار وخلق فرص العمل ومعالجة جذور الهجرة. وهنا يظهر المغرب في موقع شديد الأهمية.

المغرب..الحارس أم الشريك؟

مرة أخرى يجد المغرب نفسه في قلب معادلة أوروبية شديدة التعقيد؛ حماية حدوده وحدود الاتحاد الأوروبي من جهة، والتعامل مع ظاهرة إنسانية واجتماعية عابرة للحدود من جهة أخرى. وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن التعاون الأمني المغربي الإسباني يظل عنصراً مركزياً في احتواء محاولات العبور الجماعي. لكن استمرار الظاهرة يؤكد في المقابل أن الأمن وحده لا يستطيع إغلاق ملف الهجرة.

فكلما أُغلقت نافذة، بحثت الهجرة عن نافذة أخرى. ومن هنا فإن الشراكة المغربية الأوروبية تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى الانتقال من منطق إدارة تدفقات الهجرة إلى منطق معالجة أسبابها الإفريقية.

الساحل..الوجه الآخر للأزمة

وإذا كانت سبتة تقدم الوجه المرئي لأزمة الهجرة، فإن الساحل يقدم وجهها الأكثر قسوة. ففي منطقة تعاني من تصاعد النشاط المسلح وضعف مؤسسات الدولة واتساع اقتصاد الجريمة، أصبحت الهجرة إحدى نتائج أزمة أعمق بكثير.

وتكشف معطيات حديثة عن تحول الاختطاف وطلب الفدية إلى مورد مالي مهم للجماعات المسلحة؛ إذ أفاد تقرير أممي بأن فدية بلغت نحو 50 مليون دولار ساهمت في تمويل هجوم تنظيم القاعدة المرتبط بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مالي، بما يعكس تشابك اقتصاد الجريمة مع اقتصاد الحرب في منطقة الساحل. وهكذا يصبح السؤال الأمني والهجرة والاقتصاد ثلاثة أوجه لأزمة واحدة.

وفي الجنوب..معركة مختلفة على ثروة إفريقيا

وبينما تنشغل أجزاء من القارة بملفات الأمن والهجرة، تتجه أنظار القوى الاقتصادية الكبرى إلى الوجه الآخر لإفريقيا: الثروة المعدنية.

ممر لوبيتو، الذي يربط مناطق التعدين في جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا بميناء لوبيتو الأنغولي على المحيط الأطلسي، يتحول تدريجياً إلى أحد أهم الممرات الاستراتيجية في سباق المعادن الحرجة. كما تتوسع الاستثمارات في السكك الحديدية الإقليمية لرفع قدرة إفريقيا على تصدير النحاس والكوبالت وغيرها من المعادن الاستراتيجية.

وهنا تظهر المفارقة الإفريقية الكبرى، إذ أن القارة التي تعاني من الفقر والهجرة تمتلك في الوقت نفسه جزءاً مهماً من الثروات التي تحتاجها الصناعة العالمية الجديدة.

ما وراء الخبر

إفريقيا اليوم أمام مفترق طرق. في الشمال، تضغط الهجرة على حدود أوروبا. و في الساحل، يضغط الإرهاب والجريمة المنظمة على استقرار الدول. وفي الوسط والجنوب، تتنافس القوى الدولية على المعادن والبنية التحتية والممرات التجارية. وبين هذه الملفات الثلاثة تتشكل إفريقيا الجديدة؛ إفريقيا التي لم تعد مجرد هامش في النظام الدولي، وإنما أصبحت واحدة من ساحات التنافس الرئيسية على الأمن والطاقة والمعادن والأسواق.

وهنا تكمن أهمية الدور المغربي. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته الإفريقية وشراكاته الأوروبية، يستطيع أن يكون أكثر من مجرد نقطة عبور بين إفريقيا وأوروبا؛ يمكنه أن يتحول إلى منصة للحوار والتعاون والاستثمار وربط شمال القارة بجنوبها.

والرسالة الأهم التي يحملها رادار اليوم هي؛ لا يمكن لأوروبا أن تؤمّن حدودها مع إفريقيا إذا لم تساعد على تأمين مستقبل إفريقيا نفسها.

مؤشر القارة | 17 غشت 2026

الأمن: ضغط مرتفع — تصاعد مخاطر الإرهاب واقتصاد الفدية في الساحل.
الهجرة: ضغط مرتفع — عودة محاولات العبور الجماعي نحو الضفة الأوروبية.
الثروات: صعود قوي — المعادن الاستراتيجية وممرات النقل الإفريقية في قلب التنافس الدولي.
التنمية: تحت الاختبار — استمرار الفجوة بين الثروات الطبيعية والقدرة على تصنيعها محلياً.
الموقع المغربي: متقدم — موقع جغرافي وشراكات إفريقية وأوروبية تمنح الرباط هامشاً مهماً للمبادرة.

الخلاصة:

إفريقيا ترفع منسوب أهميتها في النظام الدولي، لكن معادلة القوة ستتحدد بقدرتها على الانتقال من تصدير الثروة إلى تصنيعها، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button