أخبارالرئيسيةكلام والسلام

جبهة القوى الديمقراطية..والحقيقة في الوثيقة

ليست كل الشعارات حقائق، وليست كل المؤتمرات الصحفية أحكاماً نهائية. وبين الحقيقة القانونية والادعاء السياسي مسافة لا يجوز أن تملأها الضوضاء، مهما ارتفعت الأصوات أو كثرت البلاغات والندوات. حقيقة واحدة ساطعة هي الفيصل في هكذا نزاعات قضائية، هي حقيقة الوثيقة القانونية التي تشطب على كل ما دون ذلك، وتبرز الحق حقا والباطل باطلا، فيما يتعلق بشرعية تدبير شؤون حزب جبهة القوى الديمقراطية وصحافته، وتؤكد من له الحق في تمثيله وقيادته والتحدث باسمه.

السؤال عن” الحقيقة في الوثيقة، هذا هو جوهر السؤال المطروح اليوم حول مصير حزب جبهة القوى الديمقراطية، عشية الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية التي عبأ خلالها الطرفان المتنازعان جهذهما من أجل تسليم توكيتان مودوجتان لمرشحيهما، ما يعقد العملية الانتخابية للحزب . واستكمالا لهذه الاستعدادات ستحتضن الرباط عقد ندوتين صحفيتين، الأولى سيعقدها المصطفى بنعلي، غدا بالرباط، والثانية سيعقدها المصطفى لمفرك يوم الأربعاء المقبل في سياق نزاع استمر 7سنوات في ردهات المحاكم بعد طرد الأول للقيادي المصطفى لمفرك وأربعة قياديين آخرين من الحزب سنة 2019.

المشهد، في ظاهره، يبدو وكأنه مجرد مواجهة بين شخصين أو تيارين سياسيين داخل حزب واحد. لكنه، في العمق، يتجاوز الأشخاص إلى سؤال أكبر، هل تُحسم شرعية الأحزاب السياسية بالصوت الأعلى، أم بالوثيقة القانونية، وبقرارات المؤسسات القضائية، وبالقواعد التنظيمية التي تؤطر العمل الحزبي؟ وهو السؤال الذي طرحته العديد من وسائل الاعلام خلال تتبعها لملف النزاع حول شرعية تدبير حزب جبهة القوى الديمقراطية.

هنا تحديداً ينبغي أن يتوقف العبث بهيئة سياسية، وأن يبدأ الاحتكام إلى الوقائع، وإلى صوت القضاء وينتهي زمن الضوضاء وزمن امتلاك الحزب لشخص واحد. فالحزب مؤسسة ديمقراطية تحتضن كل مناضلاتها ومناضليها باختلاف آرائهم ورؤاهم، ما دام الاختلاف يسعى إلى تطوير منظومة الحزب وآليات اشتغاله كمؤسسة تؤطر المجتمع وتدافع عن ثوابت المملكة المغربية، وتنخرط؛ أي المؤسسة الحزبية؛ في المشروع التنموي الكبير الذي وضع استراتيجيته المثلى جلالة الملك.

فحين يتعلق الأمر بشرعية مؤسسة حزبية، فإن البلاغات والتصريحات والندوات لا يمكن أن تحل محل القضاء، كما أن المؤتمرات الصحفية لا تستطيع أن تمنح صفة قانونية لمن لا تثبتها الوثائق والأحكام والمساطر المعتمدة. الندوة الصحفية، مهما كانت أهميتها الإعلامية، تظل مساحة لتقديم المواقف والدفوعات وشرح وجهات النظر؛ أما الحسم في النزاع القانوني فله مؤسساته ومساراته المعروفة. فالإعلام ينقل الوقائع، ولا يصنع الأحكام.

والرأي العام، من حقه أن يعرف ما يجرى، ومن حقه كذلك أن يطلع على الوثائق والحجج التي يستند إليها كل طرف. لكن من واجب الإعلام أيضاً ألا يتحول إلى طرف في نزاع قانوني، وألا يمنح لأي خطاب صفة الحقيقة النهائية قبل التحقق من أساسه القانوني.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس من كان أكثر إقناعاً في الندوة الصحفية؟ بل السؤال هو ماذا تقول الوثائق؟ وماذا تقول القوانين؟ وماذا تقول الأحكام القضائية النهائية؟ وهذه ليست أسئلة تقنية هامشية، بل هي صلب القضية. فهل يتوفر بنعلي على وثيقة قانونية تؤكد شرعية تدبيره للحزب؟. ذلك ما ستفصح عنه ندوته ليوم غد الجمعة 21غشت2026، أم ستحجم عن الكلام لعدم توفره على “الحقيقة في الوثيقة”.

لقد أفرزت التجربة السياسية المغربية، على امتداد عقود، قناعة أساسية مفادها أن الأحزاب لا يمكن أن تكون مؤسسات ديمقراطية قوية إذا ظلت تدبيراتها الداخلية أسيرة النزاعات الشخصية، أو إذا أصبح الخلاف التنظيمي مدخلاً إلى انقسام دائم يربك صورة الحزب ويضع مناضليه أمام أكثر من عنوان وأكثر من قيادة وأكثر من رواية.

وفي حالة جبهة القوى الديمقراطية، فإن استمرار الجدل حول الشرعية لا يخدم أحداً، أياً كان موقعه في هذا النزاع. لا يخدم الحزب، ولا مناضليه، ولا المرشحين المحتملين، ولا الناخبين، ولا حتى صورة الممارسة الحزبية المغربية.

فالسياسة تحتاج إلى المنافسة، نعم؛ لكنها تحتاج قبل ذلك إلى قواعد ديمقراطية واضحة. والاختلاف مشروع، بل هو جوهر العمل السياسي. لكن حين يتحول الاختلاف إلى نزاع حول من يملك الشرعية القانونية، يصبح الاحتكام إلى المؤسسات القضائية أكثر أهمية من الاحتكام إلى وسائل الاعلام.

لذلك، فإن الندوتين الصحفيتين المرتقبتين ينبغي أن تكونا مناسبة لتقديم الحقيقة كاملة للرأي العام، لا مناسبة لإغراقه في روايتين متعارضتين تترك كل واحدة منهما المواطن أمام سؤال أكثر غموضاً مما كان عليه قبل ذلك.

وفي اعتقادي، لا يحتاج مناضلي حزب جبهة القوى الديمقراطية إلى مزيد من هدر الزمن السياسي بقدر ما يحتاجون إلى الحقيقة. و”الحقيقة في الوثيقة” التي ستعلن عنها الندوة الصحفية التي أعلن عنها المصطفى لمفرك بصفته الأمين العام، والتي عبر بلاغه عن تقديم مستجدات الوضعية القانونية للحزب للرأي العام الوطني عبر وسائل الاعلام يوم الأربعاء 26 غشت 2026.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button