أسبوع جيوسياسي ساخن..المغرب بين التحولات الدولية والرهانات الإقليمية

المرصد الدولي للإعلام | – الإثنين 24 غشت 2026
في أسبوع جديد تتسارع فيه التحولات الدولية على أكثر من جبهة، لم يعد ممكنا قراءة الأحداث بمعزل عن بعضها. من التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، إلى الحرب الروسية ـ الأوكرانية، مرورا بالتنافس الأمريكي ـ الصيني، والتحولات المتسارعة في إفريقيا ومنطقة الساحل، تبدو خريطة العالم تعيد ترتيب مواقع النفوذ والتحالفات.
وفي قلب هذه التحولات يقف المغرب أمام مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها الملفات الداخلية مع رهانات إقليمية ودولية متزايدة، خصوصا مع اقتراب الاستحقاق التشريعي ليوم 23 شتنبر 2026.
في «المرصد الدولي للأخبار»: لا نكتفي بما حدث، بل نسأل أيضا عن ماذا يعني الحدث بالنسبة للمغرب؟ وإلى أين تتجه أفريقيا والعالم؟
المغرب.. استعدادات لاستحقاقات انتخابية
يعيش المغرب أسبوعا سياسياً متقدماً في اتجاه الاستحقاق التشريعي المقبل. فقد حدد يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026 موعدا لانتخاب أعضاء مجلس النواب، فيما تمتد الحملة الانتخابية الرسمية من 10 إلى 22 شتنبر. وتشير البوابة الرسمية للانتخابات إلى أن الاقتراع سيشمل 395 مقعدا، بمشاركة 27 حزبا سياسيا،
ومع دخول البلاد المرحلة الحاسمة من الإعداد للاستحقاق، تتحول الانتخابات تدريجيا من مجرد موعد دستوري إلى اختبار سياسي حقيقي للأحزاب والنخب والبرامج. فالرهان لا يتعلق فقط بمن سيتصدر المشهد، وإنما أيضا بقدرة الأحزاب على تقديم إجابات مقنعة حول الاقتصاد، التشغيل، التعليم، الصحة، العدالة الاجتماعية، التنمية الترابية، وتفاوتات المدن والقرى.
والأهم أن المواطن المغربي أصبح أكثر اهتماما بالسؤال العملي؛ ماذا سيغير البرنامج الانتخابي في حياته اليومية؟ وهنا تحديدا سيكون الاختبار الحقيقي للنخب السياسية. وقد جرى بالفعل تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، إلى جانب لجان ترابية، في إطار الاستعداد لضمان حسن سير العملية الانتخابية.
كما وضعت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري قواعد خاصة لضمان التعددية السياسية والتوازن في التغطية الإعلامية خلال الفترة الانتخابية.
المغرب في عيون العالم
لا يمكن فصل هذا الاستحقاق عن موقع المغرب الخارجي، فالمملكة أصبحت خلال السنوات الأخيرة فاعلا أكثر حضورا في القارة الإفريقية، وشريكا اقتصاديا متناميا مع أوروبا، وفاعلا دبلوماسيا في ملفات متعددة، فيما تتطور علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج وآسيا.
وفي هذا السياق، تكشف بيانات التجارة المغربية ـ الإسبانية عن عمق التشابك الاقتصادي بين البلدين؛ إذ تجاوز حجم التجارة الثنائية 22.7 مليار يورو خلال 2025 وفق بيانات نقلتها وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي». إنها أرقام تؤكد أن المغرب لم يعد مجرد جار جنوبي لأوروبا، وإنما أصبح جزءا من شبكة اقتصادية وجيوسياسية أوسع.
إفريقيا..القارة أمام اختبار الأمن والسيادة الاقتصادي
لا تزال منطقة الساحل والصحراء واحدة من أكثر المناطق حساسية في القارة، فالتوترات الأمنية، وضعف بعض مؤسسات الدولة، وتنامي نشاط الجماعات المسلحة، وتنافس القوى الدولية على الموارد والنفوذ، كلها عوامل تجعل مستقبل الساحل مرتبطا بمستقبل الأمن الإفريقي ككل.
وتكشف تقارير حديثة عن خطورة اقتصاد الاختطاف وتمويل الجماعات المسلحة، إذ أشار تقرير أممي إلى أن فدية بلغت نحو 50 مليون دولار دفعت في أواخر 2025 لتحرير رهائن استُخدمت في تعزيز القدرات العملياتية لجماعة مرتبطة بالقاعدة في منطقة الساحل.
وهنا يظهر السؤال المغربي مجددا، هل تستطيع إفريقيا بناء منظومة أمنية واقتصادية مستقلة، أم ستظل ساحة لتنافس القوى الخارجية؟ و المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وصلاته الاقتصادية والدينية والتاريخية مع عدد من دول القارة، يراقب هذه التحولات عن قرب. فالرهان لم يعد أمنيا فقط، بل أصبح اقتصاديا واستراتيجيا أيضا.
الخليج..النفط يعود إلى واجهة الحسابات
في الخليج، تفرض التوترات المرتبطة بإيران وممرات الطاقة نفسها على الأسواق والاقتصادات.وقد ارتفعت أسواق خليجية في نهاية الأسبوع مع صعود أسعار النفط، وسط مخاوف من تشدد العقوبات الأمريكية على إيران وتأثير ذلك على إمدادات الخام. وأغلق خام برنت عند نحو 94.39 دولارا للبرميل يوم الجمعة، بينما ارتفع المؤشر السعودي الرئيسي بنسبة 1.1%.
هذه التطورات تعني أن الخليج لا يواجه فقط تحديات سياسية وأمنية، وإنما أيضا اختبارا اقتصاديا يتعلق باستقرار الطاقة وسلاسل الإمداد.
وبالنسبة للمغرب، فإن علاقاته المتنامية مع دول الخليج تفتح مجالات واسعة للاستثمار والتعاون، لكنها تجعل أيضا تطورات المنطقة جزءا من الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة.
المغرب العربي..جغرافيا واحدة وسياسات متباعدة
لا يزال المغرب الكبير يعيش مفارقة تاريخية، فالمغرب والجزائر يظلان في قلب هذه المعادلة، فيما تواجه تونس وليبيا وموريتانيا تحديات مختلفة مرتبطة بالاقتصاد والهجرة والأمن والطاقة والاستقرار السياسي.
وفي الوقت نفسه، أصبحت منطقة شمال إفريقيا مرتبطة بشكل متزايد بالتحولات في الساحل والبحر المتوسط وأوروبا. وهنا يصبح التعاون المغاربي، رغم صعوباته السياسية، ضرورة اقتصادية وأمنية أكثر من كونه مجرد شعار إقليمي.
الولايات المتحدة..واشنطن تعيد حساباتها
في الولايات المتحدة، تتقاطع السياسة الداخلية مع ملفات خارجية ثقيلة، حيث تواجه إدارة الرئيس دونالد ترامب ملفات متزامنة من إيران إلى أوكرانيا، إضافة إلى الخلافات التجارية.
وفي أحدث التطورات، تتجه واشنطن نحو زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، بينما لا تزال الأزمة الإيرانية مرتبطة بشكل مباشر بأمن الطاقة وحركة الملاحة في المنطقة. كما تظهر مؤشرات على أن السياسة التجارية الأمريكية تواجه بدورها اختبارات صعبة، مع تصاعد الخلافات مع شركاء اقتصاديين كبار.
أما بالنسبة للمغرب، فتظل العلاقات مع واشنطن أحد أهم محاور السياسة الخارجية المغربية، سواء في ملفات الأمن والدفاع أو الاقتصاد أو التعاون الإقليمي.
آسيا..الصين تتحرك لدعم اقتصادها
في الصين، تتجه السلطات إلى مزيد من الإجراءات المالية لدعم النمو، في ظل تباطؤ اقتصادي يحتاج إلى تحفيز الاستهلاك والاستثمار. وأعلنت وزارة المالية الصينية عن إجراءات إضافية لدعم الاقتصاد، بما في ذلك توسيع دعم فوائد القروض الموجهة للشركات الصغيرة والمستهلكين وتسريع الإنفاق على مشاريع البنية التحتية الممولة مسبقا.
لكن الصين لا تواجه الاقتصاد فقط، فالتنافس مع الولايات المتحدة، والتوتر حول تايوان، وسلاسل التوريد العالمية، كلها ملفات تجعل الصين أحد أبرز محددي اتجاه النظام الدولي الجديد.
وفي تايوان، جدد الرئيس لاي تشينغ تي التأكيد على مفهوم «السلام من خلال القوة»، بالتزامن مع إحياء ذكرى أزمة مضيق تايوان عام 1958.
وبالنسبة للمغرب، تكتسب آسيا أهمية متزايدة باعتبارها سوقا استثمارية وتجارية وتكنولوجية، مع تطور العلاقات المغربية مع الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
روسيا..الحرب الأوكرانية نحو تصعيد جديدة من التصعيد
في الجبهة الروسية ـ الأوكرانية، لا تزال مؤشرات التصعيد أقوى من مؤشرات التسوية، فالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، تحدث عن احتمال تعبئة روسية جديدة بعد الانتخابات البرلمانية الروسية، فيما تتواصل الضربات المتبادلة وتستعد أوكرانيا لمزيد من الضغط على بنيتها التحتية العسكرية والاقتصادية الروسية.
وفي تطور دبلوماسي لافت، سحبت موسكو سفيرها لدى بريطانيا، في مؤشر جديد على تدهور العلاقات الروسية ـ البريطانية.
وفي المقابل، لا تزال كييف تبحث عن دعم إضافي للدفاعات الجوية، بينما تتواصل الجهود الأوروبية لتوفير أنظمة اعتراض وصواريخ جديدة.
أما آفاق التسوية، فتظل غير واضحة، رغم حديث زيلينسكي عن نافذة محتملة للتوصل إلى اتفاق دبلوماسي بين أواخر 2026 وصيف 2027.
المغرب والعالم..لماذا يهمنا الاهتمام بالمغرب والتأثير العالمي عليه؟قد يبدو للوهلة الأولى أن ما يحدث في واشنطن أو موسكو أو بكين أو الخليج بعيد عن الحياة اليومية للمغاربة. لكن الواقع مختلف. ارتفاع النفط يؤثر في كلفة النقل والطاقة.الحروب تؤثر في أسعار الغذاء وسلاسل الإمداد.التوترات الدولية تؤثر في السياحة والاستثمار والتجارة.والتنافس بين القوى الكبرى يعيد رسم خرائط النفوذ والشراكات.
أما إفريقيا، فهي بالنسبة للمغرب ليست مجرد مجال جغرافي، بل امتداد استراتيجي واقتصادي ودبلوماسي.
ولهذا فإن قراءة العالم من زاوية مغربية لا تعني الانغلاق على الداخل، وإنما تعني فهم كيف يتفاعل الداخل المغربي مع التحولات الخارجية.
في المرصد الدولي للأخبار؛ نرصد الخبر..ونقرأ ما وراءه.



