حافلات مكناس.. بين وعود شتنبر وواقع الشارع وترقيعات الدخول المدرسي

زايد الرفاعي / ماستر في الصحافة
مع أول أيام شهر شتنبر، ورنين أجراس الدخول المدرسي، المُتزامن مع عدم الوفاء بالوعود الممنوحة للمجتمع المكناسي بشأن حل مشكلة النقل وتوفير الحافلات الكافية.
نستحضر قصيدةً للشاعر الفلسطيني محمود درويش مفادها: “يقول سائق في الباص، لا شيئ يعجبني”.
إلا أنه في مكناس ليس فقط (السائق) الذي يعبر عن تذكره ورفصه لواقع الحال، وإنما عبارة “لا شيء يعجبني” تترد على لسان كل من السائق، والعامل، والطالب، والتلميذ، والموظف البسيط، وكل من يتوسّل الحافلة لقضاء أغراضه.
ذلك بعدما عادت أزمة النقل الحضري بالعاصمة الإسماعيلية لتفرض نفسها بقوة على واجهة اهتمامات الساكنة. أزمة لم تعد مجرد “تعثر تقني” أو “مشكل ظرفي”، بل تحولت إلى اختبار يومي لصبر المواطن المكناسي، وإلى استهتار بواجب الخدمات العمومية للمواطن، بل مرآةً تعكس أزمة التدبير والثقة بين المسؤول والمواطن.
لقد استبشرت المدينة خيراً بالتصريحات التي تحدثت عن خطة انتقالية لإنقاذ القطاع. خطة قوامها 80 حافلة: 40 قادمة من مراكش، و40 من أسطول “سيتي باص” السابق. رهان معلن ولو (بشكل ترقيعي) كان هدفه الوحيد: محاولة إعادة الحياة إلى شوارع العاصمة الإسماعيلية قبل أن يلج التلاميذ والطلبة والعمال أبواب مدارسهم ومعاملهم.
لكن ما الذي تحقق على الأرض؟
الشارع يجيب: لا شيء.
الشهر دخل، والمدارس على الأبواب، والحافلات لا تزال حبراً على ورق وتصريحات في المنابر.
إن الأصل في الأزمة كان فسخ جماعة مكناس للعقد مع شركة “سيتي باص” بعد سنوات من الاختلالات والخدمات المتردية. خطوة كان يفترض أن تكون بداية لحل، فتحولت بفعل غياب البديل الجاهز إلى شلل كامل أصاب شريان المدينة.
فتحول المواطن من معاناة “خدمة رديئة” إلى معاناة “لا خدمة أصلاً”.
الرهان على الحافلات المستعملة كان مفهوماً كحل استعجالي. لكن الاستعجال لا يبرر الغموض. فالسؤال الذي يطرحه الشارع المكناسي اليوم بسيط ومباشر:
أين وصلت هذه الحافلات؟ متى ستنطلق؟ أي الخطوط ستغطي؟ وهل 80 حافلة كافية لمدينة بحجم مكناس؟
ولعل المتضرر الأول ليس المسؤول ولا الشركة، بل الطالب الذي يتأخر عن محاضرته، والعامل الذي يقتطع من أجرته لسيارات الأجرة، والأم التي تقطع مسافات مع أطفالها تحت الشمس.
النقل الحضري ليس رفاهية. هو حق في التنقل، وهو شرط أساسي لتكافؤ الفرص وللحياة الكريمة.
إن ساكنة مكناس لم تعد تطلب وعوداً جديدة. ما تريده هو جدول زمني واضح، وتواصل مؤسساتي شفاف، وحافلات فعلية تدور عجلاتها في الشوارع.
المرحلة الانتقالية لا يجب أن تتحول إلى “مرحلة دائمة”. والتدبير المباشر من الجماعة يجب أن يكون جسراً لا أن يصبح هو الحل النهائي.
يبدو أن ملف النقل بمكناس اليوم هو اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها في الوقت الحرج. فإما أن تتحول التصريحات إلى حافلات، وإما أن يتحول صبر المواطن إلى سؤال أكبر عن جدوى كل الخطط.
فإلى متى سيبقى المكناسي ينتظر الحافلة التي لا تأتي؟



