Hot eventsأخبارالرئيسيةتقارير وملفاتجهات المملكة

الداخلة..بوابة المغرب الأطلسية نحو إفريقيا تستقطب غينيا بيساو

الداخلة – الحدث الإفريقي

لم تعد مدينة الداخلة تظهر في المشهد الاقتصادي المغربي باعتبارها مجرد جهة تشهد تحولات تنموية متسارعة، بل بدأت تفرض نفسها تدريجياً كإحدى النقاط التي تتقاطع عندها رهانات المغرب الاقتصادية والاستثمارية والإفريقية.

وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة وفد رفيع المستوى من جمهورية غينيا بيساو إلى الداخلة، يوم الجمعة، دلالة تتجاوز بعدها الاستثماري المباشر، بعدما شكلت مناسبة لاستكشاف التجربة التنموية للجهة، والاطلاع على مشاريعها المهيكلة، وبحث إمكانات تطوير التعاون الاقتصادي والشراكات بين البلدين.

وتأتي الزيارة في إطار أسبوع الترويج الاقتصادي لجمهورية غينيا بيساو بالمغرب، المنظم من 7 إلى 12 شتنبر الجاري، في وقت تسعى فيه الرباط وبساو إلى إعطاء دفعة جديدة للعلاقات الثنائية، عبر الانتقال من التعاون المؤسساتي التقليدي إلى فضاء أوسع قوامه الاستثمار والمبادلات التجارية ونقل الخبرات وبناء المشاريع المشتركة.

الداخلة.. عندما تصبح الجغرافيا اقتصاداً

بالنسبة للمغرب، تحمل الداخلة رهانات تتجاوز حدود التنمية الجهوية، بالنظر إلى موقعها على الواجهة الأطلسية، وما يرتبط بذلك من مشاريع وبنيات تحتية وطموحات لجعل الأقاليم الجنوبية منصة للتبادل والانفتاح على العمق الإفريقي.

ومن هذه الزاوية، فإن استقبال وفد غيني بيساوي في الداخلة يندرج ضمن دينامية أوسع تحاول من خلالها المملكة تحويل موقعها الجغرافي إلى أداة اقتصادية لتعزيز الروابط مع إفريقيا الأطلسية وغرب القارة.

فالاقتصاد هنا يتقاطع مع الجغرافيا؛ والميناء والبنيات اللوجستية والاستثمار والمشاريع الإنتاجية تتحول جميعها إلى عناصر في معادلة جديدة عنوانها: إفريقيا من بوابة الأطلسي.

وقد اطلع الوفد الغيني البيساوي على المؤهلات الاقتصادية والاستثمارية التي تزخر بها جهة الداخلة وادي الذهب، إلى جانب عدد من المشاريع المهيكلة المنجزة أو التي توجد في طور الإنجاز، بما أتاح للمسؤولين الغينيين الوقوف على تجربة تنموية تراهن على تحويل المجال إلى منصة اقتصادية أكثر تنافسية.

غينيا بيساو..عين على التجربة المغربية

وترأست الوفد الغيني باتريسيا كادي فاتي، المديرة العامة للتعاون الدولي بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي والجاليات، وضم مسؤولين يمثلون قطاعات وزارية مختلفة، إضافة إلى ممثلين عن غرفة التجارة والصناعة والخدمات في غينيا بيساو.

وتكشف طبيعة الوفد عن رغبة في مقاربة التعاون مع المغرب من زوايا متعددة، لا تقتصر على العلاقات الدبلوماسية، وإنما تشمل الاقتصاد والاستثمار والمؤسسات والقطاع الخاص.

وأكدت كادي فاتي أن التعاون بين المغرب وغينيا بيساو يمتد لسنوات طويلة وتجسد في عدد من الاتفاقيات، مشيرة إلى أن حضور مسؤولين يمثلون قطاعات وزارية مختلفة في محطة الداخلة يعكس إرادة مواصلة هذا التعاون وتعزيزه.

وكان لافتاً في تصريحاتها الإعراب عن الإعجاب بما تحقق في جهة الداخلة، مع التأكيد على الرغبة في الاستفادة من التجربة المغربية واستلهام بعض عناصرها في المسار التنموي لغينيا بيساو.

من الداخلة إلى بيساو..رهان نقل الخبرة

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن التعاون الإفريقي لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو قيمة المبادلات التجارية، وإنما أيضاً بمدى قدرة الدول على تبادل النماذج والخبرات والتجارب التنموية.

وفي هذا الاتجاه، أكدت سفيرة غينيا بيساو لدى المملكة، فيلومينا منديس ماسكارينهاس تيبوتي، أن الدروس المستخلصة والخبرات المكتسبة خلال زيارة الداخلة يمكن توظيفها في غينيا بيساو، خصوصاً في عدد من مناطق البلاد.

وهذا يعني أن الداخلة تحولت، بالنسبة للوفد الزائر، من مجرد فضاء للاطلاع على المشاريع إلى مختبر لتجربة تنموية يمكن التفكير في تكييف بعض عناصرها مع الواقع الغيني البيساوي.

المبادرة الأطلسية..الاقتصاد في قلب الرؤية الإفريقية

وتتقاطع هذه الدينامية مع الرؤية المغربية الأوسع تجاه إفريقيا الأطلسية، والتي أعطت للمجال البحري واللوجستيك والتجارة والاستثمار مكانة متقدمة في تصور المملكة لعلاقاتها مع الدول الإفريقية.

فالمبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس تضع واجهة المغرب الأطلسية ضمن تصور يهدف إلى تعزيز ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، وفتح آفاق جديدة أمام المبادلات والاستثمارات والربط الاقتصادي.

ومن هذه الزاوية، تكتسب جهة الداخلة أهمية خاصة، باعتبارها إحدى النقاط الجغرافية التي يمكن أن تتقاطع فيها مشاريع التنمية الوطنية مع رهانات الانفتاح الإفريقي.

وبالنسبة لدول غرب إفريقيا، فإن تطوير الممرات التجارية واللوجستية نحو الأطلسي يمكن أن يفتح إمكانات جديدة لتنويع الشركاء والأسواق وتقليص كلفة الولوج إلى التجارة الدولية، خصوصاً بالنسبة للاقتصادات التي تبحث عن منافذ أكثر فعالية إلى الأسواق العالمية.

من الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية الاقتصادية

وتأتي هذه التحولات في وقت أصبح فيه الاقتصاد يحتل موقعاً مركزياً في السياسة الإفريقية للمغرب.

فبعد عقود من بناء علاقات سياسية ودبلوماسية مع دول القارة، يتجه الرهان بشكل متزايد نحو بناء شبكات اقتصادية واستثمارية ومؤسساتية قادرة على إنتاج مصالح مشتركة ومستدامة.

وفي هذا الإطار، فإن أسبوع الترويج الاقتصادي لغينيا بيساو بالمغرب، بما تضمنه من لقاءات في الرباط والدار البيضاء ثم محطة الداخلة، يقدم نموذجاً لهذا الانتقال.

فالهدف لم يعد فقط التعريف ببلد لدى الآخر، وإنما البحث عن مجالات يمكن أن يلتقي فيها رأس المال والخبرة والموقع الجغرافي والأسواق والموارد.

الداخلة.. اختبار للمشروع الأطلسي

ويرى مسؤولون بالمركز الجهوي للاستثمار بجهة الداخلة وادي الذهب أن الزيارة شكلت مناسبة لتقديم الإمكانات الاقتصادية وفرص الاستثمار التي توفرها المنطقة، والتعريف بالدينامية التنموية والمشاريع المهيكلة التي تستهدف تعزيز جاذبيتها وتنافسيتها. كما أن مثل هذه اللقاءات يمكن أن تساهم في توطيد العلاقات المغربية-الغينية البيساوية، وخلق فرص أمام مشاريع استثمارية تعود بالنفع على الطرفين.

وهنا تحديداً تكمن أهمية محطة الداخلة: فنجاح الرؤية الأطلسية لا يقاس فقط بالمشاريع التي تبنى في المغرب، وإنما بقدرتها على إنتاج روابط اقتصادية تمتد إلى العمق الإفريقي.

وإذا تمكنت الداخلة من الاضطلاع بهذا الدور، فإنها لن تكون فقط مركزاً اقتصادياً لجهة مغربية، بل يمكن أن تصبح إحدى حلقات شبكة اقتصادية تربط المغرب بغرب إفريقيا عبر الأطلسي.

ما وراء الخبر

زيارة غينيا بيساو إلى الداخلة تحمل رسالة اقتصادية وجيو-اقتصادية في آن واحد. فإفريقيا اليوم تعيد اكتشاف جغرافيتها الاقتصادية؛ والموانئ والممرات التجارية والطاقة والموارد الطبيعية والبنيات اللوجستية أصبحت أدوات أساسية في بناء النفوذ والشراكات.

والمغرب، من جهته، يحاول تثبيت موقعه داخل هذه المعادلة من خلال الجمع بين الموقع الأطلسي، والبنية التحتية، والخبرة الاستثمارية، والعلاقات السياسية المتنامية مع الدول الإفريقية. أما غينيا بيساو، فتبدو مهتمة باكتشاف ما يمكن أن تقدمه هذه التجربة لاقتصادها ومسارها التنموي.

وبين الداخلة وبيساو، لا يتعلق الأمر فقط بزيارة وفد أو أسبوع للترويج الاقتصادي؛ بل ربما نحن أمام ملامح أولية لتحول أوسع في مفهوم الشراكة المغربية الإفريقية: من علاقة تقوم على القرب السياسي إلى شبكة مصالح تقوم على الاقتصاد والموانئ والاستثمار ونقل الخبرة.

وفي إفريقيا التي تتنافس فيها القوى الدولية على الموانئ والثروات والأسواق والممرات الاستراتيجية، قد تصبح الواجهة الأطلسية للمغرب إحدى أوراق الرباط الأكثر أهمية في إعادة صياغة موقعها الاقتصادي داخل القارة.

نقرأ إفريقيا من الرباط.. ونقرأ العالم من إفريقيا.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button