من الفشل إلى الوعود. هل يستحق من عجز بالأمس ثقة المواطن غدا؟

مع اقتراب تاريخ الاستحقاقات التشريعية23 شتنبر 2026، يجد المواطن المغربي نفسه أمام مشهد سياسي يحمل الكثير من المفارقات، أبرزها التي أصبحت تؤثت المشهد السياسي: تحول أحزاب الأغلبية التي تولت تدبير الشأن الحكومي خلال الولاية السابقة، والتي يفترض أن تقدم حصيلة واضحة عن أدائها إلى أحزاب معارضة، تجلد نفسها بنفسها وتواجه بعضها البعض وتنتقد نفسها وتتصارع من أجل تصدر المشهد الانتخابي، حتى أصبح نفس المواطن يتساءل هل هو أمام مشهد مسرحية “شاهد ما شافش جاحة”.؟
هذا التحول في المواقف من مدافعين الى مهاجمين، من منسجمين الى متفرقين ومشتتين، خلق حالة من التيه لدى المواطن الذي أصبح يفقد الثقة بشكل يومي في الأحزاب السياسية والازدواجية في الخطاب الممارس، مما جعله، أي التحول، يطرح العديد من الأسئلة، أهمها، إذا كانت أحزاب الأغلبية التي تتصارع من أجل صدارة المشهد قد أخفقت في تحقيق جزء مهم من الالتزامات التي التزمت بها، ودخلت اليوم في صراع انتخابي فيما بينها، هل هي قادرة فعلا على تحقيق وتنزيل ما تعد به المواطن غدا؟ خصوصا وأن المرحلة اليوم لا تقتصر على من سيفوز ويحتل المرتبة الأولى في المشهد، وإنما من القادر على التفعيل والتنزيل والوفاء بالالتزامات.
إن المواطن المغربي اليوم، لا يريد فقط السماع لوعود لا نقل عنها جديدة لان نفسها قدمتها هذه الأحزاب في استحقاقات 2016 و 2012 التي كانت تحت شعار “تستهالو ما أحسن”، “التغيير الآن”، “الانصاف الآن”، بل يريد أن يعرف ماذا تحقق أولا من الوعود والالتزامات السابقة، ولماذا لم تتحقق بعض الالتزامات، ومن يتحمل مسؤولية التعثر، وثانيا، ما هي الضمانات لتنزيل وتحقيق هذه الوعود الجديدة وإن كان بعضها مستحيلا وغير قابلة للتنزيل؟ من هنا تأتي مسألة الوفاء بالالتزامات والتي لا تحتاج فقط إلى خطاب انتخابي قوي، وإنما تحتاج إلى قدرة على التخطيط والتنفيذ والتنسيق والتقييم والمحاسبة والمساءلة. فإذا أصبحت اليوم الخلافات الحزبية، خصوصا بين مكونات الأغلبية التي كانت تسوق خطاب الانسجام والتفاهم وتمرر صورا وكأنها كذلك، باتت تطغى على المشهد السياسي قبل موعد الانتخابات، فمن حق المواطن المغربي التساؤل، عن مدى قدرة هذه الأحزاب على الحفاظ على الانسجام واتخاذ القرارات المشتركة إذا عادت إلى تدبير الحكومة من جديد. فالمواطن لا يحاسب السياسي على ما يقوله قبل الانتخابات، وإنما على ما يفعله بعدها، ليبقى المعيار الحقيقي ليس كمية الوعود المقدمة ولا قوة الحملات الانتخابية، وإنما كيفية التنزيل والقدرة على تحويل الالتزامات إلى سياسات ونتائج ملموسة.
لقد حان الوقت لأن تتغير قواعد الخطاب السياسي، فمن يطلب ولاية جديدة عليه أن يقدم حسابا وكشفا عن الولاية السابقة. ومن يدعي القدرة على تحقيق أهداف جديدة وتنزيل التزامات فشل في تنزيلها مرات سابقة، عليه أن يشرح لماذا لم تتحقق الأهداف السابقة بالقدر الكافي. ومن يقدم نفسه “سبيدرمان” القادر على خدمة المواطن، عليه أن يثبت أولا أنه تعلم من أخطاء مرحلة التدبير السابقة، وبدأ يميز بين القانون والمرسوم، ولا يوقع على دعم ينتقده في الأخير، ولا ينتقد معارضة تحدثت عن تضارب المصالح ليعود هو يسوق نفس خطاب المعارضة، ولا يعلق فشله على من سبقه لأنه كان ضمنهم..
بالرغم من أهمية المحطة الانتخابية التي تفصلنا عنها أياما معدودة، لا يمكن حصرها حول من سيتصدر النتائج، إنما المعركة الحقيقية لانتخابات 23 شتنبر 2026 يرتكز أساسا حول الجدية والحس بالمسؤولية والوفاء بتنفيذ تلك الالتزامات لنتمكن كخطوة أولى استرجاع ثقة المواطن في السياسيين التي فقدت من زمان. فالأحزاب يمكن أن تتصارع قبل الانتخابات على المقاعد والمواقع، لكنها بعد الانتخابات ستكون مطالبة بشيء واحد، خدمة الوطن والمواطن، وفي مرحلة التنفيذ، تنتهي لغة المزايدات وتبدأ لغة النتائج.



