
ايطاليا- عادل العسري
تثير المبادرات المدنية في بعض المدن الأوروبية، والتي تستهدف الفئات الشبابية تحت شعارات “التضامن الإنساني” و”الرحلات الاستكشافية”، نقاشاً جيوسياسياً واسعاً حول الحدود الفاصلة بين النشاط المدني المستقل، والدبلوماسية الموازية الموجهة لدعم طروحات سياسية محددة. وكان آخر هذه الأنشطة ما أعلنته بوابة الشباب التابعة لبلدية بولونيا الإيطالية ضمن برنامجها الموجه لشباب المدينة، والمتضمن تنظيم رحلات ميدانية إلى مخيمات تندوف تحت لافتة التعرف على الواقع الإنساني وشعوب المنطقة.
ويرى مراقبون ومحللون في العلاقات الدولية أن المبادرات من هذا النوع نادراً ما تكون مجرد أنشطة إنسانية محايدة، بل تندرج بشكل مباشر ضمن أدوات “القوة الناعمة” و”الدبلوماسية العابرة للحدود” التي تعتمدها أطراف النزاع الإقليمي لتشكيل الوعي السياسي لدى النخب الشبابية الأوروبية. وتعتمد هذه الاستراتيجية على تقديم رواية أحادية الجانب للنزاع في مرحلة التكوين الفكري للشباب، دون إتاحة الفرصة لهم للاطلاع على المقترح المغربي للحكم الذاتي أو زيارة الأقاليم الجنوبية للمملكة لمعاينة الواقع التنموي والعمراني، بهدف تحويل هؤلاء الشباب مستقبلاً إلى عناصر ضغط داخل الأحزاب والمؤسسات المحلية الأوروبية، مع وضع القناع على القضايا الحقوقية والإنسانية الشائكة داخل المخيمات.
على صعيد آخر، يفتح تكرار هذه المبادرات في إقليم إميليا-رومانيا شمال إيطاليا باب التساؤلات المشروعة حول حصيلة ومدى نجاعة التحركات المغربية لتفنيد هذه الأطروحات في أوساط السلطات المحلية، وتحديداً أدوار القنصلية العامة للمملكة المغربية بمدينة بولونيا. ويطرح متابعون للشأن السياسي أسئلة جوهرية بشأن مستوى الاستباقية في التواصل القنصلي مع مجالس البلدية والمؤسسات الأكاديمية لإبراز موقف المملكة المدعوم دولياً، ومدى إشراك الكفاءات الوطنية والجالية المغربية المقيمة بالمنطقة في تفعيل دبلوماسية موازية قادرة على التحدث إلى المجتمع الإيطالي بلغته وأدواته، أم أن القنصلية المغربية تحولت بالفعل إلى مجرد مكتب لتقديم الخدمات والشواهد الإدارية؟.
إن مواجهة هذا التغلغل المؤسساتي يتطلب استراتيجية شمولية تتجاوز الأساليب الإدارية التقليدية. و إن الحفاظ على المكتسبات الوطنية يقتضي تدعيم العمل القنصلي بأدوات الدبلوماسية العامة والتواصل المباشر مع صنّاع القرار المحليين، للمطالبة بالتوازن والشفافية في البرامج الموجهة للشباب، وضمان وصول الحقائق كاملة بعيداً عن الاستغلال السياسي تحت غطاء العمل الإنساني.



