أخبارالرئيسيةفي الصميم

رسالة لمن سيحكموننا مستقبلا:أنا المغربي..حكاية وطن تمشي على قدمين

بقلم: بوشعيب حمراوي

أنا المغربي…
لا أبدأ حكايتي من اسمي، بل من الأرض التي علّمتني معنى الاسم، ومن تراب إذا لامسته بيدك علّمك الصبر، وإذا مشيت فوقه علّمك التواضع، وإذا خاصمته أدركت أنك لا تنتصر على وطنك، بل تخسر جزءًا منك.

أنا المغربي..
الذي وُلد وفي قلبه بوصلة تشير دائمًا إلى الكرامة والشرف، وحتى إن ضلّ الطريق أحيانًا، فإنه لا يضيّع المعنى، لأن الوطن عنده ليس عنوانًا في بطاقة الهوية، ولا حدودًا مرسومة على خريطة، بل ذاكرة تسكنه، وأصوات أجداده، ورائحة بيته الأول، ولهجة أمه، ودعاء أبيه، ووجوه الناس الذين كبر بينهم.

تعلّمت منذ الصغر أن البيت لا يُقاس بعدد غرفه ولا بارتفاع جدرانه، بل بمدى اتساع صدر أهله، وأن الضيف ليس عابرًا مجهولًا، بل أمانة مؤقتة في أعناقنا، ولذلك نفتح الأبواب قبل أن تُقرَع، ونفرش القلوب قبل الزرابي، ونضع الشاي فوق النار قبل أن يسأل القادم إن كان مرحبًا به، ونُقاسم الخبز قبل أن نُحصي الأرغفة.

أنا المغربي …
الذي إذا قال «نعم» فقد وقّع بالعِشرة والوفاء، وإذا قال «لا» فقد فعل ذلك دفاعًا عن كرامته وكرامة غيره، لأن الوفاء عندنا لم يكن يومًا شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل خُلُقًا يُمارس في الجوار، وفي التجارة، وفي الصداقة، وفي العهد، وفي رد الجميل، وفي الصمت أحيانًا حين يكون الصمت أكرم من الكلام.

نحن أبناء وطن صنع من الاختلاف قوة، ومن التعدد وحدة، ومن التنوع ثراءً لا خوفًا. لسنا استثناءً لأننا أفضل من الآخرين، ولا لأن لنا حقًا في التعالي عليهم، بل لأننا تعلمنا، عبر قرون طويلة، أن العيش المشترك ليس ترفًا، وأن الاختلاف لا يعني الخصومة، وأن الهوية التي تثق بنفسها لا تخشى هوية الآخرين.

في المغرب يتجاور الإنسان مع الإنسان قبل أن يُسأل عن عقيدته أو أصله أو لسانه، وتتقاطع العربية والأمازيغية والحسانية وروافد الثقافة الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية، وتلتقي الجبال بالبحر، والصحراء بالواحات، والقرى بالمدن، في لوحة واحدة لا يمكن أن تفهمها من لون واحد.

أنا المغربي…
ابن الأطلس والريف، ابن سهول الغرب والشاوية ودكالة وعبدة، ابن سوس ودرعة وتافيلالت، ابن الصحراء الممتدة إلى الأفق، ابن مدن عتيقة تحفظ الذاكرة في أسوارها وأبوابها وأزقتها، وابن قرى صغيرة قد لا تظهر على الخرائط الكبرى، لكنها تحمل في بيوتها جزءًا من روح المغرب.

أنا المغربي …
الذي إذا اشتدّ عليه الزمن لم ينكسر، وإذا ضاق الحال اتّسع الخاطر، وإذا أثقلته الحياة بحث في قلبه عن مساحة صغيرة للابتسام.
نضحك في وجه الشدائد لا استخفافًا بها، بل تحديًا لها، ونحوّل الألم إلى نكتة أحيانًا، والخسارة إلى درس، والعثرة إلى بداية، لأن المغربي تعلّم أن الحياة لا تمنح أحدًا طريقًا مستقيمًا، وأن السقوط ليس نهاية الرحلة ما دام الإنسان قادرًا على الوقوف من جديد.
وفي الشدة نُبادر.

لا ننتظر التعليمات حين يكون الإنسان في خطر، ولا نسأل المصاب عن اسمه أو منطقته قبل أن نمد إليه أيدينا، ولا نسأل صاحب البيت المحترق عن انتمائه قبل أن نحمل الماء لإطفاء النار، ولا نسأل المنكوب عمن يكون قبل أن نتقاسم معه الخبز والغطاء والمأوى.

رأينا ذلك في الزلازل والفيضانات والحرائق والكوارث؛ سيارات تتجه نحو القرى محملة بما استطاع أصحابها جمعه، شباب يتسابقون للتبرع بالدم، نساء يخبزن لسكان لا يعرفن أسماءهم، وأناس يفتحون بيوتهم للغرباء. لم ينتظر هؤلاء كاميرات ولا شهادات تقدير، لأن التضامن عند المغربي ليس مناسبة عابرة، بل ذاكرة جماعية وتربية متوارثة.

أنا المغربي …
الذي يترك الطريق لمن يحتاج المرور، ولا يترك الجار وحده في الفرح أو في الحزن، ولا يترك وطنه حين تشتد العواصف.
قد نختلف، نعم. وقد نغضب ونحتج وننتقد ونرفع أصواتنا، نعم. وقد نختلف في الرأي والسياسة والتدبير وفي تفسير الأحداث، لكن اختلافنا لا ينبغي أن يحوّل الوطن إلى خصم، لأن المغرب يتسع لنا جميعًا، والنقد الحقيقي ليس كراهية للوطن، بل رغبة في أن يكون أفضل.

انا المغربي …
نختلف داخل البيت، لكننا لا نحرق البيت.
تعلّمت من أجدادي أن الشجاعة ليست في ارتفاع الصوت، بل في تحمل المسؤولية، وأن الشهامة ليست في استعراض القوة، بل في حماية الضعيف، وأن الصدق ليس مجرد قول الحقيقة، بل الاستعداد لتحمل تبعاتها، وأن الرجولة ليست قسوة، بل وفاء وكلمة وعهد ومسؤولية.

وتعلمت أن الكرم ليس في كثرة ما يُقدَّم، بل في صدق ما يُقدَّم.
قد تكون المائدة بسيطة، وقد لا نجد فوقها إلا خبزًا وزيتًا وشايًا، لكننا نضع إلى جانبها الاحترام والمحبة، ونزينها بالدعاء، ونصر على أن يأكل الضيف قبلنا، لأن الجائع عندنا لا يُسأل أولًا من أين جاء، بل ماذا يحتاج.

وحين يسافر المغربي، يسافر المغرب معه.

يحمله في لهجته، وفي سلامه، وفي طريقته في إعداد الشاي، وفي حنينه المفاجئ إلى الكسكس يوم الجمعة، وفي بحثه عن رائحة التوابل المغربية في أسواق المدن البعيدة، وفي فرحته حين يسمع كلمة بالدارجة وسط زحام لا يعرف فيه أحدًا.

قد يعيش المغربي عشرات السنين بعيدًا عن بلده، لكن الوطن يبقى يسكن داخله؛ يظهر في أول سؤال عن أخبار الأهل، وفي متابعة أخبار المدينة والحي والقرية، وفي دمعة تنزل حين يسمع النشيد الوطني بعيدًا، أو حين يرى العلم المغربي يرفرف في مكان لم يكن يتوقع أن يراه فيه.

ويمثل المغربي بلاده، شاء أم أبى، بطريقة حديثه وتعاملاته وأمانته واحترامه للآخرين، وقد يصنع صورة أجمل لوطنه بابتسامة صادقة وتصرف نبيل أكثر مما تصنعه آلاف الشعارات.
كأنه يقول للعالم في كل مكان يحل فيه: نحن هنا لنتعارف لا لنتخاصم، ولنبني لا لنهدم، ولنضيف إلى المكان شيئًا جميلًا بدل أن ننتزع منه جماله.

أنا المغربي…
ابن تاريخ طويل قاوم حين فُرضت عليه المقاومة، وصالح حين كانت المصالحة أنفع، وانفتح على العالم دون أن يذوب فيه، واستقبل حضارات وثقافات وأديانًا وأعراقًا مختلفة دون أن يفقد ملامحه.

تغيرت حولنا أشياء كثيرة، وتعاقبت الأزمنة والدول والقوى، لكن المغرب ظل يعرف كيف يحتفظ بخيط يربط الماضي بالحاضر، والقرية بالمدينة، والأصالة بالمعاصرة، والانفتاح بالخصوصية.

أنا المغربي …
الذي يؤمن أن قوة الهوية ليست في الخوف من الآخر، بل في القدرة على لقائه دون أن نفقد أنفسنا، وأن من يثق بجذوره لا يخشى الرياح، ومن يعرف تاريخه لا يحتاج إلى اختراع تاريخ غيره.
والمغرب بالنسبة إلي ليس وطنًا كاملًا بلا أخطاء، ولا مجتمعًا بلا نقائص، ولا واقعًا يجب تزيينه بما ليس فيه.

نحن نعرف مشاكلنا وننتقد اختلالاتنا ونحلم بمدارس أفضل، ومستشفيات أكرم، وعدالة أقرب، ومدن أنظف، وقرى أقل عزلة، وشباب يجد مستقبله داخل وطنه بدل أن يبحث عنه خلف البحار، لكن حب الوطن لا يعني أن ننكر عيوبه، كما أن نقد عيوبه لا يعني أن نتخلى عن حبه.

فالوطن الحقيقي ليس ذلك الذي نصفق لكل شيء يحدث فيه، بل ذلك الذي نتألم حين يتعثر، ونفرح حين يتقدم، ونسهم بما نستطيع في إصلاحه.

هذه حكايتي….
ليست أسطورة، ولا إعلانًا دعائيًا، ولا محاولة لرسم صورة وردية عن شعب مثل باقي الشعوب فيه الخير وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح، لكنها شهادة انتماء إلى وطن آمن أبناؤه، جيلاً بعد جيل، أن الأخلاق رأسمال، وأن الإنسان يسبق المشروع، وأن التنمية بلا كرامة ناقصة، وأن الوطن لا يُبنى بالإسمنت وحده، بل بالتربية والعلم والعمل والعدل والثقة.

الوطن ليس فقط أرضًا نرثها عن آبائنا، بل أمانة نستعيرها من أبنائنا.
ومن حق الأجيال القادمة علينا أن تجد مغربًا أفضل مما وجدناه نحن، وأن ترث منا مدارس تفتح لها الأبواب بدل أن تدفعها إلى الهجرة، ومدنًا تصون كرامتها، وقرى لا يشعر أهلها أنهم خارج الزمن، ومؤسسات تثق في الشباب وتفسح له الطريق بدل أن تطالبه بالصبر إلى ما لا نهاية.

أنا المغربي…
قد أكون شخصًا واحدًا، لكن خلفي ملايين يشبهونني في الجوهر ويختلفون عني في التفاصيل؛ في لهجاتهم ومدنهم وقراهم، في أفكارهم واختياراتهم وأساليب عيشهم، لكنهم يلتقون عند معنى واحد: أن المغرب ليس مجرد رقعة جغرافية نعيش فوقها، بل تاريخ وذاكرة وانتماء ومصير مشترك.

هو وطن نحمله ونختلف من أجله، وننتقده لأننا نريده أفضل، ونحزن لألمه، ونفرح لفرحه، ونعود إليه مهما ابتعدنا.

أنا المغربي…
أحمل في داخلي أصوات أجدادي وأحلام أبنائي، وأعرف أن ما بين الماضي والمستقبل مسؤولية اسمها الحاضر.

أنا المغربي…
لست مجرد اسم في سجل السكان، ولا رقمًا في بطاقة وطنية، ولا عنوانًا في جواز سفر.
أنا حكاية أرض، وذاكرة شعب، وأمل أجيال.
أنا المغربي… حكاية وطن تمشي على قدمين.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button