بنعلي يمثل أمام القضاء بعد غد الجمعة

تتجه الأنظار، بعد غد الجمعة 18 شتنبر الجاري، إلى القضاء بالرباط، حيث يرتقب أن يمثل المصطفى بنعلي أمام المحكمة في جلستين قضائيتين منفصلتين، تهمان ملفين يرتبطان بشكل مباشر بالنزاع التنظيمي والقانوني المتواصل داخل حزب جبهة القوى الديمقراطية، المعروف بـ“حزب الزيتونة”.
وتكتسي جلسات يوم الجمعة أهمية خاصة، بحسب مصادرنا الوثيقة، بالنظر إلى ارتباط الملف الأول بالطعن في التزكيات الانتخابية التي منحت لعدد من المترشحين باسم الحزب برسم الاستحقاقات التشريعية لشهر شتنبر الجاري، وهو الطعن الذي تقدم به المصطفى لمفرك، الذي يتمسك بصفته أمينا عاما لحزب جبهة القوى الديمقراطية. أما الملف الثاني فيتعلق بالطعن في المؤتمر الاستثنائي المنعقد بمدينة فاس بتاريخ 30 يونيو 2019، وما ترتب عنه من مسار تنظيمي ومؤتمرات وقرارات لاحقة داخل الحزب.
من التزكية إلى أصل الشرعية
المثير في جلسة بعد غد الجمعة أن الملفين، وإن كانا منفصلين من الناحية القضائية، إلا أنهما يلتقيان في سؤال واحد؛ هل ما يزال بنعلي له الصلاحية في تمثيل الحزب بعد كل هذه الأحكام؟!!.
فإذا كان الطعن الأول يضع التزكيات الانتخابية أمام القضاء، فإن الطعن الثاني يعود إلى الأساس التنظيمي الذي يستند إليه بنعلي باعتباره، أحد أطراف النزاع في ممارسة صلاحياته داخل الحزب. وبحسب دفوع الجهة التي يمثلها المصطفى لمفرك، فإن التزكيات موضوع الطعن صدرت عن جهة ينازعها الطاعن في الصفة القانونية والتنظيمية التي تخول لها إصدارها باسم جبهة القوى الديمقراطية.وهنا تتحول التزكية من مجرد وثيقة انتخابية إلى حلقة في سلسلة أكبر من الأسئلة حول الصفة، والاختصاص، وتسلسل القرارات التنظيمية.
فاس 2019.. البداية التي تعود إلى الواجهة
أما الملف الثاني، فيعيد فتح صفحة المؤتمر الاستثنائي المنعقد بفاس في 30 يونيو 2019. ويستند الطعن، وفق المعطيات المقدمة من طرف لمفرك، إلى الدفع بعدم احترام المقتضيات التي ينص عليها القانون الأساسي للحزب بشأن الجهة المخولة بالدعوة إلى انعقاد المؤتمر.
ويحيل أصحاب الطعن، في هذا السياق، على الفصل 18 من الباب السادس من القانون الأساسي لحزب جبهة القوى الديمقراطية، باعتبارهما يحددان الإطار التنظيمي المرتبط بانعقاد أجهزة الحزب والمؤتمرات.
ومن هذه الزاوية، فإن المعركة القضائية تطرح سؤالا أكثر عمقا، هل استوفى مؤتمر فاس الشروط والمساطر التنظيمية التي تجعل انعقاده منتجا لآثاره القانونية والتنظيمية؟ وهو سؤال لا يملك بنعلي وحده الإجابة عنه، وإنما يبقى في نهاية المطاف من صميم اختصاص القضاء المعروض عليه النزاع.
العيون وتازة..مؤتمرات مطعون فيها؟
وتكتسب القضية بعدا إضافيا بالنظر إلى ما يربطه الطرف الطاعن بالمؤتمر الاستثنائي لفاس من مؤتمرات وطنية لاحقة، من بينها المؤتمر الوطني بالعيون والمؤتمر الوطني الأخير بتازة. فالمنطق الذي يقوم عليه الطعن، كما يقدمه لمفرك، ينطلق من أن سلامة هذه المؤتمرات اللاحقة لا يمكن فصلها عن سلامة الأساس التنظيمي الذي استندت إليه.
ومن هنا يتمسك الطاعن، المصطفى لمفرك بالقاعدة القانونية المعروفة “ما بني على باطل فهو باطل“، معتبرا أن بطلان الأساس، إذا ما ثبت قضائيا، ستكون له انعكاسات على ما ترتب عنه من إجراءات وقرارات.
معركة الشرعية تصل إلى صناديق الاقتراع
ولعل أكثر ما يمنح جلسة بعد غد الجمعة 18 شتنبر2026 حساسيتها وأهميتها، هو أنها تأتي في قلب الاستحقاق الانتخابي. ففي الوقت الذي يخوض فيه المرشحون حملاتهم الانتخابية ويقدمون أنفسهم للناخبين، يوجد داخل الحزب نزاع قضائي حول الجهة التي أصدرت تزكيات عدد من هؤلاء المرشحين.
وهنا تبرز مفارقة المشهد، فالحملة الانتخابية تسير نحو صناديق الاقتراع، بينما جزء من شرعية الوثائق التي يحملها بعض المتنافسين يتجه نحو قاعة المحكمة.
ولا يتعلق الأمر بمجرد خلاف شخصي بين قياديين، كما قد يبدو للوهلة الأولى، وإنما بنزاع تتداخل فيه مستويات متعددة؛ التنظيم الحزبي، والصفة القانونية، وصلاحيات الأجهزة، وصحة المؤتمرات، ثم انعكاسات ذلك كله على العملية الانتخابية. فالمعركة الحقيقية في هذا الملف قد لا تكون فقط حول من يمنح التزكية، ولا حتى حول من يحمل صفة الأمين العام. إنكا السؤال الأعمق هو، هل تستطيع الأحزاب السياسية أن تحسم نزاعاتها الداخلية داخل مؤسساتها، أم أن خلافاتها التنظيمية ستظل تنتقل من المؤتمر إلى الإدارة، ومن الإدارة إلى القضاء، ومن القضاء إلى الاستحقاق الانتخابي؟
في حالة جبهة القوى الديمقراطية، يبدو أن خيط النزاع يمتد من مؤتمر الجديدة إلى مؤتمر فاس 2019 إلى انتخابات شتنبر 2026، مرورا بمحطات تنظيمية ومؤتمرات وقرارات متنازع بشأنها.
والجمعة 18 شتنبر قد تفتح فصلا جديدا في هذا المسار؛ ليس لأن القضاء سيحسم بالضرورة كل شيء في جلسة واحدة، وإنما لأن الملفين المعروضين عليه يضعان أمامه سؤالين مترابطين، حول شرعية التزكيات من جهة، والأساس التنظيمي الذي يستند إليه مسار القيادة من جهة أخرى.
وبينما يستمر كل طرف في تقديم روايته للشرعية، يبقى للقضاء وحده أن يزن الوثائق ويفحص المساطر ويحدد الآثار القانونية لما سيعتبره ثابتا.



