أخبار سريعةفي الصميم

وجدة.. مدينة تُكتشف انتخابيا وتُنسى تنمويا

لم تكن وجدة في حاجة إلى الوزراء اليوم بقدر ما كانت في حاجة إليهم طوال السنوات الخمس الماضية. لم تكن تنتظر مواكب انتخابية ولا لقاءات موسمية ولا خطابات مفعمة بالوعود، وإنما كانت تنتظر قرارات حكومية تعالج واقعا اجتماعيا واقتصاديا ظل يضغط على ساكنتها، كانت تنتظر استثمارات تخلق فرص الشغل، ومشاريع تعزز جاذبية المدينة، وسياسات عمومية تنصت إلى نبض الشارع قبل أن تقترب صناديق الاقتراع.

لكن المفارقة السياسية التي نعيشها اليوم في إطار الحملة الانتخابية لاستحقاقات 23 شتنبر 2026، أن المدينة التي كان حضورها الحكومي مطلوبا عندما كانت الملفات الساخنة تبحث عن حلول، أصبحت اليوم محط اهتمام واسع بعدما دقت ساعة الانتخابات. فجأة تكاثرت الزيارات، وتكثفت اللقاءات، وارتفعت نبرة التواصل مع المواطنين، وكأن وجدة لم تكن موجودة طوال السنوات الماضية، أو وكأن مشاكلها اكتشفت للتو مع بداية الحملة الانتخابية، الأمر الذي يجعلنا نتساءل، لماذا يأتي هذا الحضور المكثف الآن؟ وأين كان عندما كان المواطن الوجدي ينتظر أجوبة عن التشغيل والغلاء والاستثمار والتنمية والخدمات الاجتماعية؟

فمدينة وجدة ليست صندوقا انتخابيا يفتح موسميا ثم يغلق بعد إعلان النتائج، والمواطن ليس فقط رقما في معادلة انتخابية، ولا ينبغي أن تتحول حاجاته الاجتماعية والاقتصادية إلى مادة للاستهلاك السياسي خلال أسابيع الحملة، خصوصا وأن بعض الذين يتجولون اليوم بين المواطنين لتقديم الوعود هم أنفسهم كانوا في مواقع المسؤولية خلال الولاية الحكومية السابقة، هم من تسببوا في أزمة المدينة، هم من كرسوا منطق تسيير المدينة عن بعد وليس عن قرب، حتى لبلوكاج وضعوه عن بعد ولم يعملوا على إيجاد حلول له. وبالتالي فإن منطق الانتخابات يفرض ألا تكون الأسئلة موجهة فقط إلى ما سينجز مستقبلا، بل إلى ما تحقق فعلا خلال السنوات الماضية، وما هي حصيلة هذه الولاية في وجدة؟ وماذا تغير في حياة المواطن؟ وكم فرصة شغل أحدثت؟ وما الذي تحقق من الوعود السابقة؟

إن إعادة إنتاج الخطاب نفسه، وتقديم وعود جديدة دون الوقوف عند حصيلة الالتزامات السابقة، قد يحول الانتخابات من لحظة للمحاسبة الديمقراطية إلى مجرد موسم لإعادة تسويق الوعود، وكأننا أمام موسم التبوريدة وليس موسم التنمية. فمدينة وجدة تحتاج إلى أكثر من صور انتخابية مع الوزراء والمسؤولين، هي بحاجة ماسة إلى أولا إجابات واضحة حول مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي، وثانيا إلى رؤية تجعلها في صلب السياسات العمومية لا في صلب الحسابات الانتخابية فقط.

فإذا كانت المدينة تستحق كل هذا الاهتمام اليوم كما يدعي هؤلاء السياسيين، فهي كانت تستحقه أيضا قبل أشهر وسنوات، عندما لم تكن أصوات الناخبين مطلوبة. وإذا كانت مشاكل وجدة تستدعي كل هذه الزيارات واللقاءات الآن، فلماذا لم تبرمج نفس اللقاءات لهؤلاء الوزراء والذين يسمون أنفسهم قادة سياسيين عندما كان القرار الحكومي قادرا على تغيير واقعها؟

نعم المواطن الوجدي أمام استحقاق انتخابي، لكن الأكيد أنه بعد انتهاء الحملة، ستغادر المواكب، وستنتهي التجمعات، وستطوى اللافتات، لكن وجدة ستبقى هنا، بمشاكلها وانتظاراتها وأسئلتها، وعندها سيظهر الفرق بين من جاء إليها بحثا عن صوت انتخابي، ومن جاء إليها حاملا مشروعا حقيقيا للتنمية. بين من يرافع ويناضل من أجلها، وبين من سيكون مجرد آلة تغيب عندما يتطلب الأمر غيابها، وتحضر عندما يراد منها رفع اليد أو التصفيق.
فالمدينة الألفية لا تحتاج إلى أن تكتشف كل خمس سنوات، وإنما تحتاج إلى أن تكون حاضرة في أجندة المسؤولين كل يوم.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button