
بقلم: يوسف المساتي
لم أكن يوما من هواة الانجرار إلى منطق التقاطب بين الشعبين المغربي والجزائري. وكنت دائما أفضّل أن أترك مسافة بين مواقف الأنظمة ومشاعر الشعوب، وأن أحتفظ بهامش للتعقل، لأن التاريخ والجغرافيا أكبر من لحظة غضب عابرة.
لكن ما يجري منذ سنوات لم يعد مجرد سوء فهم، ولا مجرد اختلاف سياسي، ولا حتى خصومة دبلوماسية عادية. نحن أمام استفزاز مستمر، وإهانة متكررة، وكذب ممنهج، وتزوير للتاريخ والرموز والوقائع، إلى درجة يصبح معها الحياد نوعا من الانبطاح، والصمت شكلا من أشكال التطبيع مع الإهانة.
ومن يردد ببساطة أن “النظامين هما السبب” عليه فقط أن يقرأ الخطاب الرسمي في البلدين، وأن يقارن اللغة، والاتجاه، وطبيعة الرسائل. هناك فرق واضح بين دولة تدافع عن مصالحها وسيادتها، ودولة بنت جزءا كبيرا من سرديتها السياسية والإعلامية على معاداة المغرب. المساواة هنا ليست حكمة، بل تزييف للواقع.
الأخطر أن هذا الخطاب لم يعد محصورا في أجهزة رسمية أو منابر إعلامية. لقد تسرب إلى جزء واسع من المزاج العام الجزائري، حتى صار عند البعض حالة عصابية جماعية: إحساس مرضي بالتفوق، وهم دائم بالمظلومية، محاولة سطو على كل شيء، من التاريخ إلى التراث إلى الرياضة إلى الرموز، مع ترديد أساطير كبرى عن “بلاد الشهداء” و“بلاد التحرير” وكأنها تمنح صكا مفتوحا لاحتقار الآخرين أو إنكار وجودهم.
كان يمكن تفهّم بعض الأعذار في السبعينات، زمن الإعلام الواحد والخطاب المغلق. أما اليوم، في زمن الوصول إلى الوثائق والصور والأرشيفات والمصادر المفتوحة، فلم يعد الجهل بريئا دائما. حين يستمر الإنسان في تصديق الكذب رغم توفر الحقيقة، فهو لا يكون ضحية فقط، بل يصبح شريكا في إنتاج الوهم.
لهذا أرى أن دعوات “التعقل” التي يرفعها بعض المغاربة اليوم، حين تتحول إلى مساواة آلية بين المغرب والجزائر، لم تعد تعقلا. صارت انبطاحا مرضيا. لا يمكن أن تطلب من المغربي أن يظل مهذبا إلى ما لا نهاية أمام خطاب يطعن في بلده ورموزه صباحا ومساء، ثم تتهمه بالتطرف لأنه قرر أخيرا أن يرد.
ما أظهره المغاربة خلال مباراتي السنغال والجزائر لم يكن مجرد موقف كروي. كان إعلانا رمزيا عن وضوح البوصلة. من احترم بلدي احترمته، ومن حاول الانتقاص منه فلا مكان له في وجداني، ولا في تعاطفي، ولا في حساباتي الرمزية.
نعم، لا أتحدث عن كل فرد بمعناه الشخصي، فالأفراد دائما فيهم الاستثناء. لكنني أتحدث عن حالة عامة صارت ظاهرة، وعن خطاب جماعي أصبح طاغيا، وعن هستيريا سياسية ونفسية تحتاج إلى تسمية لا إلى تلطيف.
المغربي لم يعد مطالبا بأن يعتذر عن حبه لبلده، ولم يعد مطالبا بأن يبتلع الإهانة حتى يبدو “عاقلا”. العقل لا يعني أن تكون محايدا بين الحقيقة والتزوير، ولا بين الاحترام والاستفزاز، ولا بين من يمد يده ومن يجعل من عدائك عقيدة يومية.
هناك لحظة يصبح فيها الدفاع عن الكرامة أوضح من كل خطابات المجاملة. وأعتقد أننا وصلنا إلى هذه اللحظة.



