لتسريع الدفع الرقمي بالمملكة.. تجار القرب يطالبون بمجانية أجهزة الأداء الإلكتروني ومواكبة تدرجية

شكل القرار المشترك الصادر عن بنك المغرب ومجلس المنافسة والقاضي بتسقيف وخفض رسوم الأداء الإلكتروني، ابتداءً من فاتح أكتوبر 2026، خطوة هامة نحو تعزيز الشمول المالي وتطوير المعاملات الرقمية في المملكة المغربية. ورغم إيجابية هذه الخطوة، فإن الهيئات المهنية الممثلة للتجار تطالب بإقرار المجانية الكاملة لوسائل وأجهزة الأداء الإلكتروني كحافز أساسي لتشجيع تجار القرب على الانخراط الرقمي، مع التأكيد على ضرورة اعتماد مقاربة تقوم على “المواكبة والتدرج” في التفعيل.
مطالب مهنية بالإعفاء والتكوين
وفي هذا السياق، شددت النقابة الوطنية للتجار والمهنيين على أهمية توفير برامج التكوين والمواكبة والتحسيس لتسهيل تعامل المهنيين مع هذه الآليات الحديثة. ودعت النقابة بنك المغرب والمؤسسات الشريكة إلى تحمل تكاليف هذه الوساطة المالية لدعم التجارة الصغيرة، معتبرة أن تقليص تداول السيولة النقدية (الكاش) يخدم مصلحة الاقتصاد الوطني بالدرجة الأولى.
وفي تصريح له، أكد محمد الجرايفي، رئيس المجلس الوطني للنقابة الوطنية للتجار والمهنيين، قائلاً:
“تتركز مطالبنا الرسمية، التي تم توجيهها إلى مختلف المصالح الحكومية كوزارة التجارة وبنك المغرب وكذلك المؤسسات البنكية، على ضرورة توفير أجهزة الأداء الإلكتروني للمهنيين بشكل مجاني، كنوع من التحفيز لتشجيعهم على الانخراط في هذا الورش. كما نطالب كذلك بتوفير برامج للتكوين والتحسيس والمواكبة لضمان استيعاب التجار لآليات العمل الرقمية الجديدة”.
عوائق تقنية ومالية تواجه تجار القرب
أوضح الفاعلون المهنيون أن هناك عدة تحديات ميدانية تحول دون الانخراط السلس في منظومة الدفع الرقمي، وأبرزها:
- اقتطاع الرسوم: تشكل نسب الاقتطاع التي تتراوح بين 1% و3% عائقاً حقيقياً، لا سيما في القطاعات ذات هامش الربح المحدود كقطاع التبغ، حيث تستنزف هذه الرسوم أرباح التاجر بالكامل وتنفره من الخدمة.
- تأخر التحصيل: تواجه التجارة الصغيرة إشكالية التأخر في تحصيل الأموال، والتي قد تصل إلى ثلاثة أيام كاملة عند استعمال البطاقات البنكية الدولية.
- تحمل تكلفة المرحلة الانتقالية: بالنظر إلى أن بنك المغرب يظل المستفيد الأكبر من تقليص التعامل النقدي نظراً للتكلفة الباهظة لتدبير “الكاش”، فإن الجهات الوصية مطالبة بتحمل جزء من تكاليف المرحلة الانتقالية.
حتمية الرقمنة والرهانات الدولية للمملكة
رغم التخوفات المرتبطة بالمراقبة الضريبية المباشرة، يؤمن التجار والمهنيون بأن الرقمنة باتت مساراً حتمياً لا مفر منه. وتكتسي هذه الخطوة أهمية بالغة مع اقتراب استضافة المغرب لتظاهرات عالمية كبرى، وفي مقدمتها مونديال 2030، وهي أحداث ستعزز إقبال السياح والمواطنين على الأداء بالبطاقات. ويُنتظر أن يساهم الاعتماد على الأداء الإلكتروني في حل أزمة السيولة النقدية الصغيرة، وتعزيز الشفافية المالية، والحد من التهرب الضريبي بآليات تقنية ميسرة، شريطة توفير عوامل المساعدة والدعم في البداية، وتفعيل الاتفاقيات المشتركة مع وزارة التجارة لضمان المواكبة الميدانية المستمرة وتجنب التوجس الضريبي.
رؤية اقتصادية: التدخل الحكومي ومبدأ التدرج
من جانبه، يرى عمر باكو، الخبير الاقتصادي المتخصص في سياسات الصرف والسياسة النقدية، أن الهدف الرئيسي من هذه التدابير هو تحديث وعصرنة منظومة الأداء تماشياً مع المعايير العالمية المعاصرة. غير أنه سجل أن مسألة التخلي التام عن الأوراق النقدية لم تُحسم بعد على الصعيد العالمي؛ إذ لا تزال دول متقدمة كليابان وفنلندا والنمسا تحتفظ بـ”الكاش” لضمان حرية المواطنين في حماية خصوصية معاملاتهم وتجنب التتبع الرقمي الشامل.
وفيما يخص إعادة هيكلة سوق الأداء الرقمي، اعتبر باكو أن إنهاء الاحتكار وفتح السوق لفاعلين جدد يعد خطوة إيجابية. وأضاف مستدركاً:
“يجب الأخذ بعين الاعتبار أن تغيير السلوك البشري تجاه المعاملات المالية يتسم بالجمود والمقاومة، مما يستوجب تدخل الدولة بقوة لتقديم تحفيزات استثنائية، ولو تطلب الأمر تحمل خسائر مالية مؤقتة لامتصاص صدمة التغيير”.
وأكد الخبير الاقتصادي في ختام تحليله على ضرورة اعتماد مبدأ التدرج؛ وذلك بالانتقال من إقرار إعفاءات شاملة في المرحلة الأولى، إلى فرض رسوم تدريجية تضمن التغطية الحقيقية للتكلفة واستدامة المنتجات المالية، مع كفالة هامش ربح معقول للفاعلين الجدد في السوق.



