واحة حارة المرابطين بتنغير تحتضر عطشا..من المسؤول؟
الحدث الافريقي- ليلى حبش حاريت
في الجنوب الشرقي للمغرب، حيث تبدو الواحات وكأنها جزرا خضراء معلقة وسط الجفاف، توجد حارة المرابطين (إكرامن) بجماعة تودغة السفلى، بإقليم تنغير. واحة لم تكن يوما مجرد أشجار نخيل وأراض فلاحية، بل كانت نظاما للحياة، وذاكرة جماعية، ومصدرا للعيش والاستقرار.
لكن اليوم، تبدو هذه الواحة أمام سؤال وجودي :هل نحن أمام جفاف عابر، أم أمام موت بطيء لواحة بأكملها؟فالماء يتراجع، والفرشة المائية تستنزف، والزراعة تتضرر، والسكان يجدون أنفسهم أمام واقع لم يعد يسمح لهم بالعيش كما عاش آباؤهم وأجدادهم.
والأخطر أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالجفاف وحده.حيث لا أحد يستطيع إنكار تأثير سنوات الجفاف وتراجع التساقطات المطرية على المنطقة، لكن تحميل الجفاف وحده مسؤولية كل شيء قد يكون أسهل طريقة للهروب من السؤال الحقيقي : كيف ندبر ما تبقى من الماء؟فالاستعمال غير المعقلن للموارد المائية، إلى جانب الضخ المتزايد للمياه الجوفية، يضغط على الفرشة المائية الهشة أصلا.
ايضا، اللافت أن انتشار الطاقة الشمسية، التي يفترض أن تكون جزءا من الحل البيئي، قد يتحول في بعض الحالات إلى وسيلة لزيادة قدرة الضخ إذا لم يواكبه تنظيم صارم للاستغلال.وهنا تظهر المفارقة، طاقة نظيفة… تستخدم أحيانا لضخ مورد مائي ينفد.فالمشكلة إذن ليست في الطاقة الشمسية بحد ذاتها، بل في غياب التوازن بين القدرة على الضخ وقدرة الطبيعة على تجديد المورد المائي.
وتفيد المعطيات المتداولة حول المنطقة بأن أزمة الماء تمس ساكنة تقدر بنحو 15 ألف نسمة في محيط المنطقة.لكن خلف الرقم توجد حياة كاملة، أسر تنتظر الماء، وفلاحون يواجهون تراجع الإنتاج، ونخيل يحتاج إلى الماء، وشباب يبحثون عن مستقبل لا توفره الأرض كما كانت تفعل في الماضي.
لقد أصبحت ندرة المياه أكثر من مشكلة تقنية، تتحول إلى أزمة اجتماعية واقتصادية وثقافية.المفارقة الأكثر قسوة أن حارة المرابطين ليست غريبة عن الماء.ففي سنة 2019، عاشت المنطقة حالة استنفار بسبب ارتفاع منسوب مياه واد تودغى، ووصلت مخاوف السكان إلى حد الخشية على منازلهم من الفيضانات.
وهنا تطرح الطبيعة سؤالا ساخرا وقاسيا في الوقت نفسه :كيف يمكن لمنطقة يمر بها الماء في لحظة الفيضان أن تعاني من العطش في لحظة الجفاف؟المشكلة إذن ليست دائما في وجود الماء أو غيابه، وإنما في كيفية تدبيره وتخزينه وتوزيعه واستعماله وحماية مصادره.
و الأكثر إثارة في قصة حارة المرابطين هو الحديث عن مشروع ظل متوقفا لما يقارب ربع قرن.24 أو 25 سنة من التوقف، حيث جيل كامل ولد وكبر ووجد المشروع متوقفا. وهنا لا بد من طرح الأسئلة التي قد تكون مزعجة، لكنها ضرورية :لماذا توقف المشروع؟من المسؤول عن تعطله؟هل رصدت له اعتمادات مالية؟أين انتهت الدراسات أو الأشغال؟ولماذا لم تتم إعادة تقييمه وإطلاقه رغم تغير حاجيات المنطقة؟هذه ليست أسئلة للمزايدة السياسية، إنها أسئلة مرتبطة بحق السكان في معرفة مصير مشاريع يفترض أنها وجدت أصلا لخدمتهم.
في مواجهة هذا الوضع، بدأ شباب المنطقة في التحرك من أجل إنقاذ الواحة، وإعادة تأهيل الآبار التقليدية، والبحث عن إمكانيات لإعادة الحياة إلى المجال الواحي.وهنا ايضا، تكمن المفارقة الجميلة في هذه القصة :الواحة التي تهددها الهجرة، بدأ شبابها يحاولون إنقاذها من الهجرة، هم لا يطلبون المستحيل؛ يريدون فقط أن تصبح أرضهم قادرة على منحهم فرصة للبقاء. يريدون مشاريع للنساء، وفرصا للشباب، وتثمينا للمنتجات المحلية، وإعادة الاعتبار للزراعة الواحية، واستعمالا عقلانيا للماء.
فالمشكلة ليست أن الشباب لا يريدون البقاء، بل أحيانا نتحدث عن الهجرة وكأنها قرار شخصي محض. لكن ماذا لو كانت الهجرة في بعض المناطق نتيجة مباشرة لتدهور شروط العيش؟فحين يجف البئر، وتتراجع الزراعة، ويصبح الإنتاج غير مضمون، وتتقلص فرص الشغل، يصبح الرحيل خيارا مفهوما.
وبالتالي فإن إنقاذ الواحة ليس فقط مشروعا بيئيا و إنما، أيضاً مشروع لمحاربة الهجرة القسرية اقتصاديا واجتماعيا.حتى البرلمان سمع صوت العطش، فالأزمة ليست وليدة اليوم.لقد وردت حارة المرابطين ضمن المناطق التي أثير بشأنها موضوع الخصاص المائي بإقليم تنغير في سؤال كتابي بمجلس النواب، إلى جانب عدد من الدواوير والمناطق التي كانت تعاني من إشكالات مرتبطة بالماء الشروب والشبكات والتجهيزات.
وهذا يعني أن السؤال لم يعد، هل توجد أزمة؟ بل أصبح، ماذا فعل بعد أن أصبحت الأزمة معروفة؟وهنا تبدأ مسؤولية المؤسسات.إنقاذ الواحة قبل أن تصبح صورة في كتاب، فحارة المرابطين لا تحتاج إلى التعاطف فقط، تحتاج إلى خطة إنقاذ. خطة تبدأ بتشخيص علمي حقيقي لوضعية الفرشة المائية، ومراقبة الضخ، وترشيد استعمال المياه، وتأهيل الآبار والخطارات التقليدية، ودعم الفلاحة الواحية، وحماية النخيل، وإعادة النظر في المشاريع المتوقفة، وإشراك السكان والشباب في صناعة الحلول.والأهم، الانتقال من تدبير الأزمة بعد وقوعها إلى سياسة استباقية لحماية الواحة قبل فوات الأوان.
لأن الواحة ليست ملكا لجيل واحد، هي أمانة انتقلت من الأجداد إلى الآباء، ومن الآباء إلى الأبناء.واليوم، يبدو أن أبناء حارة المرابطين يواجهون السؤال الأصعب : هل سنورث أبناءنا واحة حية… أم مجرد حكاية عن واحة كانت هنا؟إنقاذ حارة المرابطين ليس إنقاذاً للنخيل وحده بل هو إنقاذ للماء، والأرض، والذاكرة، والاقتصاد المحلي، وحق الشباب في البقاء.فحين يموت الماء، لا تموت الأرض وحدها؛ بل يبدأ الإنسان نفسه في الرحيل.


