Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

سبتة المحتلة 2026: استهداف المغرب وتجارة الحلم الكاذب


بقلم: الدكتورة نجيمة طايطاي غزالي – أكاديمية وزيرة سابقة

في 30 و31 يوليوز 2026 استيقظت مدينة سبتة على مشهد غير مسبوق. أعلنت الحكومة الإسبانية دخول قرابة 49 ألف مهاجر خلال 24 ساعة، فيما قدّر رئيس المدينة العدد بستين ألفا. كان أغلبهم من الشباب الذين سبحوا أو عبروا سيرا بعد أن تجمعوا على ساحل الفنيدق. مشاهد الشباب وهم يهتفون ويقبلون الأرض عند الوصول تناقلتها وسائل الإعلام بسرعة، لكن التفسير الذي اختزل كل شيء في عبارة “فشل مغربي” كان أظلم ما في القصة.

البطالة والفقر وتعاطي المخدرات ليست أمراضا حصرية في المغرب. هي تحديات تواجهها مدن في جنوب إسبانيا، وضاحيات في فرنسا، ودول عربية كثيرة. الشباب في كل مكان يبحث عن فرصة وعن كرامة. لذلك يصبح السؤال مشروعا: لماذا يتم تصوير كل موجة هجرة عبر المتوسط على أنها قضية مغربية فقط؟ ولماذا يتم ربط اسم المغرب حصريا بالفوضى بينما يتم التغاضي عن سياقات أوسع؟ إن تحميل المغرب وحده المسؤولية تبسيط مخل يخدم رواية واحدة تقول إن المغرب بلد طارد بطبعه ومتخلف بطبيعته، وهذه رواية ظالمة لا تستند إلى الواقع.

من الصعب أيضا فصل توقيت ما حدث عن السياق السياسي. الموجة الجماعية جاءت في لحظة تحدث فيها محللون عن توتر في العلاقات الإقليمية وعن تقارب إسباني جزائري أثار استياء في الرباط. وفي الوقت نفسه كان المغرب منخرطا في أوراش كبرى من بنية تحتية واستثمارات صناعية واستعداد لاستضافة كأس العالم 2030، أي أن هناك تقدما ملموسا على الأرض. حين يتحرك آلاف الشباب في اليوم نفسه، وبعد أيام من دعوات منظمة على منصات التواصل، وحين توصف الاستجابة الأمنية الأولى بأنها غير متسقة، وحين يشار إلى فتح نقاط عبور في ظروف غير اعتيادية، فمن حقنا أن نسأل هل كان الأمر عفويا بالكامل.

وفي خضم هذا كله يبقى السؤال قائما: أين الأحزاب السياسية؟ لماذا لم تخرج بتصريح واحد ترد فيه على ما يقال عن المغرب وتواجه رواية الاستهداف؟ وأين هي الحكومة ووزراؤها ولماذا هذا الصمت المريب؟ نعم هناك استهداف مباشر للمغرب ومحاولة لربط اسمه بالفوضى في كل موجة، لكن ذلك لا يمكن أن يكون مبررا لصمت الأحزاب والحكومة. فالصمت في لحظة كهذه ليس حيادا، بل هو تخلي عن دور التأطير وعن واجب الدفاع عن صورة الوطن وعن كرامة شبابه.

خلف كل شاب سبح أربع ساعات كانت هناك شبكة لا تظهر في الصور. شبكة تتاجر باليأس. إنها شبكات الاتجار بالبشر التي تنظم الرحلات وتعد بالوصول وتتقاضى مبالغ من العائلات ثم تلقي بالشباب عند أول موجة. مهمتها أن تبيع حلما لا أن تضمن مستقبلا. وقد ساعد على ذلك خطاب رسمي وإعلامي من الضفة الأخرى. فحين تخرج تصريحات من وزارة الداخلية الإسبانية توحي بأن الوصول يعني البقاء والعمل، فإنها تروج بشكل غير مباشر لما يمكن تسميته “الحلم ما بعد الحدود”. يلتقط الشاب هذا التصريح ويضيف إليه فيديو على منصات التواصل لشاب يقبل الأرض في سبتة، فيكتمل الوهم. الدليل أن الأمن المغربي اضطر لاعتقال ستين شخصا بتهمة التحريض عبر الإنترنت، أي أن هناك من كان ينظم ويعبئ ويؤرخ للعبور. الشاب لم يخرج فقط بسبب البطالة، بل لأنه أقنعوه أن الضفة الأخرى هي الجنة.

في خضم السياسة والإعلام يضيع الإنسان. عامل في الفنيدق يقول إن كل زملائه في المطبخ غادروا ولم يعد أحد. شاب سوداني يقول لن أعود وأفضل الموت وأنا أحاول البقاء هنا. وآخر يعود بعد يومين ويقول لا أعرف لماذا أتيت ولم أتناول الطعام منذ الأمس. وعائلات ما زالت تبحث عن أبنائها المفقودين في البحر. حتى سكان سبتة انقسموا بين خوف وتعاطف، وأحدهم قال إنهم يتم استخدامهم ورقة مساومة وهذه هي الكلمة الأدق.

ما حدث في سبتة ليس قضية أمنية فقط. هو ملف مركب من أربعة أطراف. شباب يائس يبحث عن أمل، وشبكات اتجار بالبشر تتاجر بهم وتبيع الوهم، وخطاب خارجي يروج للحلم الكاذب، وصمت داخلي ترك الساحة فارغة. لذلك فإن الحل لا يكون بإغلاق الشاطئ فقط. المطلوب أولا ضرب شبكات الاتجار بالبشر ومحاسبتها قضائيا. والمطلوب ثانيا خطاب حكومي وحزبي واضح يواجه محاولات الاستهداف ويعترف بالمشاكل الداخلية ويعرض حلولا. والمطلوب ثالثا سياسات تشغيل حقيقية تعيد للشباب الثقة في بلده.

المغرب ليس جنة، ولكن المغرب أيضا ليس الجحيم الذي يريد البعض تصويره. والمشكلة ليست في الشاب الذي عبر، المشكلة في من باع له العبور، وفي من سكت، وفي من استغل.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button