“أنا ليك يا فاس”.. عمي بسيسو يعود برسالة فنية تربوية للدفاع عن الهوية والقيم وحماية الطفولة

في حلقة حوارية مميزة بثتها جريدة وقناة “الحدث الإفريقي”، استضاف الصحفي مصطفى بوريابة الفنان التربوي المغربي عبد اللطيف خلاد، المعروف بلقب “عمي بسيسو”، أحد أبرز رواد الأغنية التربوية ومسرح الطفل بالمغرب، في لقاء صريح ومؤثر حمل الكثير من الرسائل الإنسانية والتربوية والثقافية، وتناول واقع الفن الهادف، وأزمة القيم، ومستقبل الطفولة، إضافة إلى تفاصيل عمله الفني الجديد “أنا ليك يا فاس”.
منذ اللحظات الأولى للحوار، بدا واضحاً أن عمي بسيسو لا يتحدث فقط كفنان، بل كصاحب رسالة اختار منذ أكثر من أربعة عقود أن يجعل من الفن وسيلة للتربية والتوعية وخدمة الوطن. الفنان الذي ارتبط اسمه بذاكرة الطفولة المغربية أكد أن اختياره لمسرح الطفل والأغنية التربوية لم يكن صدفة، بل نابع من عشق حقيقي للطفولة وإيمان عميق بأن الفن أمانة ومسؤولية قبل أن يكون وسيلة للربح أو الشهرة.

وأوضح عبد اللطيف خلاد أن بداياته تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي بمدينة الدار البيضاء، حيث نشأ في حي شعبي حمل روح الفن والثقافة، قبل أن يكتشف مبكراً أن عالم الطفولة يحتاج إلى أعمال هادفة تعزز القيم والمواطنة وتربي الأجيال على حب الوطن والإنسان.
وأكد خلال الحوار أن تجربته الفنية مرت بعدة مراحل، من فن البهلوان والكراكيز والماريونيت إلى المسرح الاحترافي، قبل أن يختار التخصص في مسرح الطفل، معتبراً أن النجاح الحقيقي يتحقق عندما يختار الإنسان مجالاً يؤمن به ويستمر فيه بإخلاص واجتهاد.

وفي معرض حديثه عن واقع الفن اليوم، عبّر عمي بسيسو عن أسفه لما وصفه بسيطرة التفاهة والمحتوى السطحي على الساحة الفنية والإعلامية، مشيراً إلى أن الأعمال التربوية أصبحت تعاني من التهميش وضعف الدعم، رغم أهميتها في بناء شخصية الطفل والمجتمع.
كما انتقد غياب الاهتمام الحقيقي بالفن الهادف، معتبراً أن بعض الجهات استغلت العمل الجمعوي والثقافي لخدمة المصالح الشخصية والسياسية، في حين يحتاج المجال الفني والتربوي إلى رؤية واضحة تحترم الرسالة الثقافية والتربوية بعيداً عن الحسابات الضيقة.

وتوقف الحوار عند مجموعة من أعماله الفنية والتربوية التي طبعت ذاكرة المغاربة، من بينها مسرحية “عامل النظافة”، وأعمال حول البيئة والماء والسلامة الطرقية والمواطنة، حيث شدد الفنان على أن رسالته الأساسية كانت دائماً هي غرس القيم الإيجابية داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع.
ومن بين أبرز محاور اللقاء، حديثه عن التحولات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي، حيث دعا إلى الحفاظ على الهوية الوطنية والتقاليد المغربية وروح التضامن وصلة الرحم، مؤكداً أن المغرب يتطور عمرانياً وتنموياً، لكن المجتمع مطالب أيضاً بالحفاظ على القيم والأخلاق والتراث الحضاري.

وقال عمي بسيسو إن الأجيال الجديدة تحتاج إلى التوجيه والحوار داخل الأسرة، محذراً من خطورة بعض المحتويات المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزية، والتي اعتبر أنها لا تخدم التربية ولا تساعد على بناء مجتمع سليم.
كما وجه رسالة قوية إلى الشباب، دعاهم فيها إلى الحفاظ على صورتهم وأسلوبهم واحترام القيم، وعدم السعي وراء “البوز” والمشاهدات على حساب الأخلاق والوعي، مشدداً على أن المجتمع يحتاج إلى محتوى نظيف وهادف يعزز الثقافة والحوار والتربية.

وفي الشق الفني من اللقاء، كشف الفنان التربوي عن تفاصيل عمله الجديد “أنا ليك يا فاس”، وهو عمل غنائي تربوي يحتفي بمدينة فاس، تاريخاً وثقافة وحضارة وأصالة. وأكد أن الأغنية تأتي بشراكة مع المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بفاس ومؤسسة محمد السادس، وبمشاركة تلاميذ وفنانين في المجموعة الصوتية.
وأوضح أن الهدف من هذا العمل هو تحبيب الأجيال في مدينتهم وتعزيز الانتماء للوطن وترسيخ قيم المواطنة، مضيفاً أن فاس بالنسبة له ليست مجرد مدينة، بل فضاء يحمل ذكريات ومحطات إنسانية وفنية مهمة في مساره.

كما عبّر عن امتنانه لكل من دعمه في هذا المشروع، موجهاً شكره للسلطات المحلية والمديرية الإقليمية للتعليم ومؤسسة محمد السادس، مؤكداً أن الفن التربوي يحتاج إلى تضافر الجهود لإنقاذ الطفولة وحماية الهوية الثقافية المغربية.
وخلال الحلقة، قدم عمي بسيسو مقاطع من الأغنية الجديدة التي حملت كلمات تمجد مدينة فاس، باعتبارها مدينة العلم والصناعة والتجارة والأصالة والفن والسياحة، في عمل يسعى إلى إعادة الاعتبار للأغنية التربوية الوطنية.

وفي ختام الحوار، كشف الفنان عن مشاريع مستقبلية جديدة، من بينها إصدار تربوي بعنوان “صديقي الماء”، يهدف إلى التوعية بأهمية الحفاظ على الماء والبيئة، إلى جانب مشروع أغنية جديدة حول مدينة الرباط.
الحلقة شكلت مناسبة لاستحضار مسار فني طويل لفنان اختار أن يبقى وفياً للطفولة والقيم والرسالة التربوية، في زمن أصبحت فيه الأعمال الهادفة تواجه تحديات كبيرة أمام هيمنة المحتوى السريع وثقافة الاستهلاك.

واختتم مصطفى بوريابة الحلقة بتوجيه الشكر للفنان عبد اللطيف خلاد على حضوره ومساره الفني المتميز، متمنياً النجاح لعمله الجديد “أنا ليك يا فاس”، الذي ينتظر أن يرى النور خلال الأسابيع المقبلة، تزامناً مع اختتام الموسم الدراسي واحتفالات عيد الأضحى، في خطوة فنية جديدة تؤكد أن الأغنية التربوية ما زالت قادرة على إيصال رسائل الحب والانتماء والقيم للأجيال الصاعدة.



