“التشريع على المقاس”.. هل تحول البرلمان من صناعة القانون إلى خدمة المصالح؟

لا يختلف اثنان على الوظيفة الأساسية التي تؤديها المؤسسة التشريعية، البرلمان بمجلسيه، كما نص على ذلك الفصل 70 من الدستور، “يمارس البرلمان السلطة التشريعية. يصوت البرلمان على القوانين، ويراقب عمل الحكومة، ويقيم السياسات العمومية…” في مجال التشريع القانوني، الذي يعتبر مصدرا هاما تستمد منه القواعد القانونية مشروعية وجودها.
فالتشريع إذن، عملية مؤسساتية تعتمد على إجراءات ومساطر دقيقة متفق عليها، تنبني على أساس مدخلات و مخرجات لإنتاج وصياغة نصوص قانونية في النهاية.
فالتشريع ليس مجرد عملية صياغة قوانين، بل هو العمود الفقري لاستقرار المجتمعات وتطورها، وتكمن أهميته وجوهره في تحقيق العدالة والمساواة. تحقيق الاستقرار الاجتماعي، مواكبة التغيير، والتنمية والاقتصاد، لا يمكن جذب استثمارات أو بناء اقتصاد قوي دون بيئة تشريعية متينة.
من هنا، وانطلاقا مما نلاحظه ونسمعه داخل قبة البرلمان وخارجها من تجاذبات حول مدى مشروعية أو تطابق مشاريع القوانين المعروضة مع الدستور باعتباره المرجعية القانونية الأساس، يمكننا طرح سؤال جوهري: “لماذا نشرع؟”، هل فعلا من أجل تحقيق الأهداف السالفة الذكر، أم من أجل حماية مصالح فئة معينة، وبالمعنى الأدق مصالح الفئة المخول لها تقديم النصوص والمشاريع القانونية والمراسيم؟
إن المتتبع لما يجري ويدور داخل الحكومة، وتحت قبة البرلمان، مصادقة الحكومة على مشاريع قوانين، تمريرها في وقت قياسي للبرلمان، بمجلسيه، استغلال الأغلبية البرلمانية التي تتوفر عليها، رفض الاقتراحات التي تقدم من طرف أحزاب المعارضة، سيكتشف أن الغرض من إصدار التشريع لم يعد الغرض منه تحقيق الأهداف المتوخاة من التشريع كما سبق وأن تمت الإشارة إليها، بقدر ما يهدف إلى حماية فئة معينة، قد تكون سياسية أو اقتصادية، أو هما معا، وهنا نكون قد وقعنا كما يسمى بخلق “تشريع على المقاس”، وهو الامر الذي أصبحنا نعيشه ونلاحظه في العديد من القوانين التي تم تمريرها كسرعة البرق، “برق ما تقشع”..
يحدث هذا، في ظل تواجد حكومة تسمي نفسها بحكومة “الإنجازات” وعن أي إنجازات تتحدث وتتكلم، هل المعيار الكمي التي تعتمده مرجعا أساسيا باعتبارها أول حكومة استطاعت أن تخرج مجموعة من القوانين للوجود، فالعدد لم يعد مجديا، في غياب المقاربة التشاركية من أجل إصدار قانون يهم المجتمع وليس فئة معينة.
كيف تفسر الحكومة، ومعها الأغلبية البرلمانية التي انسلخت من دورها الرقابي وتقييم السياسات العمومية، وتحولت إلى مزمار لها، رفض ما يزيد عن مئات الملاحظات والاقتراحات في مشاريع القوانين المعروضة؟
كيف تفسر أيضا، عدم اعتماد العديد من الملاحظات والاقتراحات والتوصيات التي تقدمها مؤسسات دستورية، تتجاهلها الحكومة وتضربها عرض الحائط، فقط من أجل تمرير ما ترغب هي في تمريره واعتماده؟
أليس إسقاط المحكمة الدستورية للعديد من مواد المسطرة المدنية لعدم دستوريتها، دليل قاطع على أن القوانين التي يتم تمريرها لم تستمد شرعيتها من الدستور بقدر ما هي مبنية على الهوى.
كيف تفسر حراك التنظيمات المهنية في مختلف المجالات ضد ما تقدمه وتعرضه من مشاريع قوانين، أليس هناك عيب يجب مراجعته في هذه القوانين، المحامون، العدول، الاساتذة، الممرضون، الصحفيون واللائحة طويلة.
نحن اليوم في مرحلة ما بعد 31 أكتوبر، مرحلة حاسمة في تاريخ المغرب، مرحلة تستدعي من الحكومة الحالية بعمرها القصير المتبقي أن تعمل على تحقيق المصلحة العامة في جميع المجالات، بعيدا عن المصالح الشخصية، والمحاباة السياسية ومنطق الولاءات الحزبية، وأن تضع المواطن في صلب اهتماماتها من خلال النهوض بوضعيته الاجتماعية والاقتصادية.



