حين تعيد إبنة المهجر للصخر صوته الأنثوي

بقلم: د. زكية لعروسي
في عيد المرأة، حين تتعالى الخطب وتزدحم المنابر بالأسماء، تبقى هناك نساء يعملن في صمت عميق، بعيدا عن وهج الأضواء. نساء لا يكتبن الوطن بالحبر، بل بالمِجرف، ولا يصنعن حضورهن بالتصفيق، بل بالخطوات التي تترك أثرها فوق طبقات التاريخ.
من بين هؤلاء تقف نزهة بودهو، واحدة من الباحثات اللواتي لا يطلبن الضوء، لأن ما يصنعنه كفيل بأن يضيء لاحقا. هي ابنة الشرق المغربي، لكنها أيضا ابنة المهجر العلمي.
حملت أسئلتها وحقائبها إلى باريس، إلى مدارج البحث الصارمة حيث تُختبر الفكرة قبل أن تكتب، وحيث لا مكان إلا للدقة والمنهج. غير أنها عادت إلى المغرب لا لتعلّق شهادة على الجدار، بل لتفتح نافذة واسعة على جغرافيا ظلّت طويلا في هامش الاهتمام العلمي: الشرق المغربي، تلك الأرض التي تبدو هادئة على الخرائط، لكنها حين تقرأ بعين الأثر تتحول إلى أرشيف مفتوح لحضارات متعاقبة.
على تخوم وجدة، حيث ينساب نهر ملوية كأنه قصيدة طويلة كتبتها الأرض بمداد الماء، تمشي نزهة بودهو فوق التراب كمن يعرف أسماءه السرية. تصغي إلى الصمت كما يصغي العارف إلى نبوءة قديمة، وتتعامل مع الحجر لا بوصفه جمادا، بل بوصفه ذاكرة. ليست مجرد باحثة تنقّب في طبقات الأرض، بل امرأة تفكك شيفرات الزمن، وتعيد ترتيب الفصول التي بعثرتها قرون من النسيان، كأنها ناسجة خيوط دقيقة بين الماضي والحاضر.
في هذا الشرق المغربي، حيث تختلط آثار ما قبل التاريخ بظلال العصور الكلاسيكية والإسلامية، يتشكل المسار العلمي لنزهة بودهو بوصفه مشروعا معرفيا متكاملا لإعادة قراءة المنطقة من منظور أثري وتاريخي دقيق. حضورها في الجامعة لا يقتصر على التدريس، بل يمتد إلى البحث الميداني، والتأطير العلمي، وبناء فضاءات بحثية تعنى بتراث الشرق المغربي.
نزهة بودهو أستاذة التعليم العالي في التاريخ القديم و الأركيولوجيا الكلاسيكية بجامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة. حصلت سنة 1999 على الدكتوراه في الأركيولوجيا الكلاسيكية (الفترة الإغريقية والرومانية) من جامعة باريس الأولى بانتيون سوربون بميزة مشرف جدا مع توصية جماعية بالنشر، عن أطروحتها حول مقدمة جبال الريف بين اللوكوس وسبو من عصور ما قبل التاريخ إلى الفترة الإدريسية، تحت إشراف الباحث R. Rebuffat. وقبل ذلك، كانت قد نالت سنة 1991 دبلوم الدراسات المعمقة من المدرسة التطبيقية للدراسات العليا بباريس في مناهج التاريخ والآثار بميزة مشرف جدًا، حول موضوع المغرب الشرقي من خلال الأرشيف الفرنسي.
واصلت مسارها العلمي بتحقيق التأهيل الجامعي سنة 2010 بجامعة باريس الأولى بانتيون سوربون حول موضوع “وجدة ونواحيها: دراسة أركيولوجية وتاريخية”، تحت إشراف فرانسوا فيلنوف وجان أندرو، بمشاركة خبراء من المركز الوطني للأبحاث العلمية CNRS، والمدرسة العليا للأساتذة ENS، والمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط. وفي سنة 2012 حصلت على تأهيل علمي آخر بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس حول موضوع “من مقدمة جبال الريف إلى الخريطة الأركيولوجية للشرق المغربي”، تحت إشراف علي واحيدي، وبمشاركة أساتذة من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث ومؤسسات جامعية مغربية.أما سنة 2018 فقد ناقشت ملفها العلمي والبيداغوجي لنيل درجة أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الأول بوجدة أمام لجنة وطنية.
منذ سنة 1992 انخرطت في وحدة البحث UMR 8546 Archéologies d’Orient et d’Occident (AOROC) بمختبر الأركيولوجيا بباريس، وأصبحت باحثة مشاركة بها منذ سن.1999 كما تعد عضوا مؤسسا لمركز الأبحاث الجامعية في الآثار بوجدة CURA منذ سنة 2004، وعضوًا في الجمعية الفرنسية لدراسات المغرب القديم والوسيط SEMPAM منذ سنة 2009، وعضوًا بمختبر التاريخ واللغات والتراث والهندسة المعمارية بوجدة منذ سنة 2018، وعضوًا بالمعهد الفرنسي للبحث من أجل التنمية IRD منذ سنة 2020.
يتجلى مشروعها العلمي في تركيز واضح على الشرق المغربي باعتباره مجالًا غنيًا بالمعطيات الأثرية التي لم تستثمر بما يكفي بعد. وقد أصدرت عدة مؤلفات علمية شكلت مراجع أساسية في هذا المجال، من بينها: المغرب الشرقي: دراسة أثرية وتاريخية (ثلاثة أجزاء، 2019 – أعيد طبعها سنة2024) المغرب الشرقي: Monuments funéraires protohistoriques (2022)وجدة: من قرية ذات مظهر حضري إلى مدينة في تطور دائم (2022) العلاقات البرية بين موريطانيا الطنجية وموريطانيا القيصرية عبر المغرب الشرقي (2021) جرادة وتراثها الصناعي المنجمي (طبعات متعددة بين 2018 و2023) المعجم الأثري (2023) كما أشرفت سنة 2025 على يوم دراسي حول آثار وتراث وجغرافية المغرب الوسيط. نشرت كذلك مقالات علمية في مجلات وطنية ودولية متخصصة مثل: Hesperis-Tamuda، Africa Romana، Antiquités Africaines، Bulletin d’Archéologie Marocaine، Cahiers Numismatiques، إضافة إلى منشورات المدرسة الفرنسية بروما L’École Française de Rome، موسوعة Encyclopedia Berbère، ومنشورات Institut de France.
وقد تناولت هذه الدراسات موضوعات متعددة، من بينها المعالم الجنائزية، والمواقع المغليثية (الدولمان)، والنقوش الصخرية، والعملات القديمة، والقبائل الأمازيغية، والمواقع المحصنة، والذاكرة الدينية، إضافة إلى التراث الصناعي. ومن بين أهم محطات مشروعها البحثي اشتغالها على مدينة جرادة، حيث تناولت تجربة المناجم من زاوية الأركيولوجيا الصناعية، محاولة الربط بين الذاكرة العمالية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة بعد إغلاق المناجم.
ففي نظرها لا يقتصر الموقع المنجمي على قيمته الاقتصادية، بل يمثل أرشيفا ثقافيا يمكن تثمينه في إطار تنمية محلية مستدامة. هكذا انتقل النقاش، بفضل هذا العمل، من منطق الاندثار إلى منطق الحفظ والتثمين. إلى جانب البحث العلمي، قامت بأدوار بيداغوجية وتنظيمية مهمة. فقد نظمت أياما دراسية وورشات علمية حول المجالات المنجمية بإقليم جرادة، وحول الآثار والتراث والجغرافية التاريخية للمغرب الوسيط، كما أشرفت على تكوين طلبة الدكتوراه في منهجية البحث العلمي، وواكبت أطروحات جامعية في التاريخ القديم والآثار، ونظمت معارض موجهة للعموم حول التراث المادي للشرق المغربي. في قاعات الدرس، تركز على تكوين طلبة قادرين على الجمع بين العمل الميداني والتحليل النظري، وعلى التعامل مع الأثر باعتباره وثيقة مادية تتطلب قراءة متعددة التخصصات.
فمشروعها العلمي لا يقوم على مجرد جمع المعطيات، بل على بناء خريطة أثرية متكاملة للشرق المغربي تبرز تواصله الحضاري من عصور ما قبل التاريخ إلى الفترات الإسلامية. وفي سياق الاحتفاء بالمرأة الباحثة، في عيد المرأة، لا يكفي أن نشيد بالباحثة وعالمة الآثار… بل أن نسأل1- سؤال ..كيف ترون مستقبل التراث الأثري في شرق المغرب، بين الإهمال والطموح؟ *جواب نزهة بودهوأرى أن مستقبل التراث الأثري في الشرق المغربي يتوقف على تجاوز المقاربات التقليدية في البحث الميداني، خصوصا بالنسبة للفترات الممهدة للتاريخ والتاريخية، واعتماد رؤية إقليمية متكاملة.
فالمنطقة تمتلك إمكانات تراثية استثنائية، لكنها ما تزال تعاني من ضعف الترويج وأحيانا من نقص الاعتراف المؤسساتي.ومع ذلك أبقى متفائلة؛ إذ أرى أن الديناميكيات الإقليمية الجديدة والاهتمام المتزايد بالهويات المحلية يمكن أن يفتحوا آفاقا جديدة.
التحدي الحقيقي، في نظري، هو الانتقال من اعتبار التراث عبئا إلى اعتباره موردا استراتيجيا للتنمية. أؤمن أن الخريطة الأركيولوجية للمنطقة يمكن أن تتحول إلى أداة علمية وتنموية في آن واحد:2- سؤال كيف تقيمين وضعية التراث الأثري في الشرق المغربي اليوم بين الإكراهات والفرص؟*جواب نزهة بودهوصحيح الاكراهات كثيرة منها ما هو لوجيستيكي، إنساني وكذلك طبيعي، كلها حواجز مرتبطة . فالعمل اللوجستيكي يكمن في توفير كل الأدوات والوسائل لتسهيل العمل الميداني سواء فيما يخص التحري أو الحفر الأركيولوجي. أحيانا أجد نفسي أمام نقص او انعدام احيانا لأدوات ضرورية للخوض في عمل ميداني، من جهة هناك في بعض المواقع تواجهني صعوبات طبيعية ، اقصد التكوين الجيولوجي لبعض المواقع جد صلب يتطلب آلات مناسبة لتسهيل العمل وأدوات محكمة، احيانا هناك الجانب الإنساني تكمن في قلة الوعي المحلي يتجلى في التنقيبات غير القانونية, والنبش في مواقع العمل.
بالنسبة للفرص: طبعا هناك حيوية للنشاط الأكاديمي، الاهتمام الإقليمي بالتراث المادي وكذلك اللامادي، الأدوات التكنولوجية، المعلومات الجغرافية، الخرائط الرقمية، نحن الآن في لحظة حاسمة: إما أن نُهيكل إدارة التراث، أو نخاطر بخسائر لا يمكن تداركها3- سؤالكيف يمكن تطوير الخريطة الأثرية للمنطقة لتصبح أداة علمية وتنموية في الوقت نفسه؟*جواب نزهة بودهو الخريطة الأركيولوجية جد مهمة, وتتطلب تحريات مكثفة ومتواصلة لإنجازها. فهي أداة للتوثيق وبرمجة عمليات الحفر يسمح بالتعرف على نوعية الاستيطان الإنساني، الثقافي وكذلك التوجهات الاعتقادية والتأثيرات الخارجية لكتابة تاريخ صحيح مبني على الوثائق المادية.لا ينبغي أن تبقى الخريطة الأثرية مجرد وثيقة أكاديمية، بل يمكن أن تصبح:أداة لدعم اتخاذ القرارات لدى السلطات المحلية – أداة للتخطيط العمراني –أساسا للسياحة الثقافية –موردا تعليميا للمدارس –من خلال دمج البيانات في أنظمة رقمية سهلة الاستخدام، يمكننا تحويل الأداة العلمية إلى رافعة استراتيجية للتنمية المستدامة.
4- سؤال كيف يمكن التوفيق بين دقة الباحث وشغف المرأة التي تعشق أرضها؟*جواب نزهة بودهوإن الدقة العلمية وشغف الباحثة بأرضها لا يتعارضان؛ فالعلم يؤطر العاطفة، بينما يمنح الشغف الطاقة اللازمة لمواجهة الصعوبات الإدارية والمالية والطبيعية التي يفرضها العمل الميداني…..احترام المعطيات التاريخية للوقوف على الحقيقة التاريخية بالوثيقة الملموسة. بينما يمنح الشغف المثابرة اللازمة للاستمرار رغم العقبات الإدارية والمالية والطبيعية. إن حب الأرض له معنى ووقع خاص، يعني فهمها فهمًا منهجيًا وصادقًا بحس نقدي بناء. فالعلم تأطر العاطفة، والعاطفة تُضفي معنىً وهدف على العلم5- سؤال من بين مؤلفاتك هناك اهتمام الأركيولوجية الصناعية وهذا توجه جديد في عالم الاركيولوجية. هل يمكن للتراث الصناعي، جرادة، أن يصبح رافعة تنموية حقيقية؟*جواب نزهة بودهونعم أعمالي الميدانية المكثفة في المنطقة الشرقية فاجأتني بتراثها الغني والمتنوع ومن ضمن هذه المفاجآت تواجد مواقع تزخر بالتراث الصناعي. فالمنطقة الشرقية هي منطقة منجمية بامتياز هناك من تم استغلاله منذ الفترة القديمة، ولكن الاستغلال لمناجمها تكاتف بشكل ملحوظ خلال فترة الاستعمار. وهذا الاستغلال تطلب بنايات صلبة ومعدنية، آلات ، ورشات، خنادق، آبار، مساكن، بنايات ثقافية ، للترفيه كذلك….. وبعد الإغلاق شكلت كل هذه الأشياء مخلفات مادية تدخل في إطار التراث الصناعي. جوابا على سؤالك، إذا كنا نتحدث عن التراث الصناعي المرتبط بأنشطة التعدين والطاقة، كما هو الحال في جرادة او الريف الشرقي، فالإجابة هي نعم، شريطة اعتماد نهج منظم. لا ينبغي النظر إلى التراث الصناعي على أنه مجرد حنين إلى الماضي أو عبء يجب التخلص منه، بل كرافعة لإعادة التنمية الاقتصادية والثقافية والسياحية. يمكن تحويل مواقع التعدين السابقة إلى متاحف إقليمية، أو مراكز تفسيرية، أو مساحات مخصصة لحفظ ذكريات وذاكرة العمال. وقد نجحت عدة دول في تحقيق هذه التنمية؛ ولا يوجد ما يمنع شرق المغرب من أن يحذو حذوها يجب دمج هذا التراث في استراتيجية تنمية محلية: السياحة الثقافية، وتدريب المرشدين السياحيين، والفعاليات التذكارية وخلق أنشطة مربحة للدخل. يمكن أن يصبح تاريخ التعدين قوة دافعة للتنمية المحلية، شريطة أن يبقى وفيا لتعقيده – تاريخ من العمل والتضحية والتضامن – مع دمجه في رؤية للمستقبل. المنطقة التي تحتضن ماضيها الصناعي تحوّل التجربة إلى مورد ثقافي ورافعة لإعادة البناء الجماعي..6- سؤالما أبرز التحديات التي واجهتك كامرأة في مجال البحث الأثري والعمل الميداني؟*جواب نزهة بودهوغالبا ما يكون التحدي الأول هو التكيف مع العمل الميداني وادارة فريق البحث. ففي المواقع الأثرية، قد تضطر المرأة أحيانا إلى إثبات كفاءتها بقوة أكبر. يتطلب العمل الميداني قدرة بدنية عالية، وإدارة فعّالة للفريق، والتكيف مع بيئات قد تكون صعبة. كما أن التوفيق بين المسؤوليات الأكاديمية والعائلية ليس بالأمر السهل. غير أن هذه التحديات تحولت، بالنسبة لي، إلى دروس في المثابرة والانضباط دون التخلي عن حساسيتي.7- سؤالما أكثر موقع أثريٍّ شعرتِ أنه يشبهك؟*جواب نزهة بودهويصعب الاختيار، فكل موقع أثري هو موعد مع التاريخ، لقاء مع الوقائع والأحداث. كل موقع يختلف بمحتواه الأثري ولقاه المادية الحاملة لثقافة أو ثقافات مختلفة ، معبرة عن زمن معين أو أصل خاص. فكل موقع يمثل تجربة فريدة. لكن بعض الأماكن، بصمتها وعمقها التاريخي، ورموزها الناطقة واندماجها في المشهد الشرقي، تخلق نوع من الارتباط العاطفي والانتماء. هنا تشعرين بمسؤولية الباحثة . وكل المواقع بمختلف أشكالها ومحتوياتها الأركيولوجية تذكّرنا بأن علم الآثار ليس مجرد تخصص أكاديمي، بل هو حوار مع الزمن مع المخلفات المادية التي نستخرجها من الأرض, ومن بين الصخور لكي نستنطقها بمختلف الوسائل. ونحولها، عن طريق الدراسة المعمقة، و التأريخ، والمقارنة من لقى صامتة الى أدوات ناطقة8- سؤالماذا تقولين للباحثات الشابات اللواتي يخشين الاقتراب من مواقع التنقيب والمختبرات والمؤسسات؟*جواب نزهة بودهوأقول لهن: إن الشرعية العلمية ليست شيئا يسترزق، ولا تمنح, بل تبنى. الميدان ليس حكرا على أحد، بل هو ملك لمن يقتحمه بالكفاءة والعزيمة. فكل خطوة تخطوها باحثة اليوم تفتح الطريق لمن سيأتين بعدها. المثابرة شكل من أشكال الالتزام العلمي. الأكاديمي وحتى الاجتماعي.9- سؤالما هي أولويات البحث في المرحلة القادمة برأيك؟ *جواب نزهة بودهوأما عن أولويات البحث في المرحلة المقبلة، فأضع في مقدمتها:– توثيق التراث غير المادي المرتبط بالمواقع الأثرية– حماية المواقع المهدد بالخطر سواء للتراث الطبيعي أو الإنسان– إدماج التقنيات الحديثة مثل الرقمنة والاستشعار عن بعد وقواعد البيانات الرقمية– تشجيع المشاريع متعددة التخصصات التي تجمع المؤرخين والأنثروبولوجيين والجغرافيين والمتخصصين في التراثومن جهة أخرى، أتطلع إلى إخراج بقية أعمالي الأركيولوجية إلى النور، وهي دراسات اشتغلت عليها عبر سنوات من البحث الميداني والتحري العلمي في عدد من المواقع التي ما تزال تنتظر لحظة نشرها. ومن بين هذه المشاريع ما أعمل عليه حاليًا، ويتعلق بدراسات جديدة حول التراث الصناعي لمناجم الحديد بالريف الشرقي، إضافة إلى كتاب يوثّق تاريخ غوزدير، أو أملّية المحتلة، وآخر يتناول التراث اللامادي للمنطقة الشرقية بما يحمله من ذاكرة جماعية ورصيد ثقافي متوارث. بهذه الأعمال أسعى، بقدر ما تسمح به أدوات الباحث وإمكانات البحث، إلى أن أمنح الشرق المغربي بعضا مما يستحقه من حضور داخل الخريطة العلمية للتاريخ المغربي؛ وأن أعيد قراءة مجاله بوصفه فضاء غنيا بالطبقات الحضارية والذاكرة الإنسانية. ذلك أن المعرفة الأركيولوجية لا ينبغي أن تبقى حبيسة الرفوف الأكاديمية، بل يمكنها أن تتحول إلى أداة فاعلة في خدمة المجتمع. فالخريطة الأثرية، حين تبنى بمنهج علمي رصين، تصبح مرجعا يساعد السلطات المحلية على اتخاذ القرار، ودعامة للتخطيط العمراني الرشيد، وأرضية خصبة لتطوير السياحة الثقافية، كما يمكن أن تغدو موردا تربويا ومعرفيا للأجيال الجديدة، يربطها بأرضها ويجعلها أكثر وعيا بتاريخها العميق.الباحثة نزهة بودهو تقدم نموذجا لامرأة جمعت بين التكوين الأكاديمي الصارم والانخراط الميداني، والعمل المؤسساتي.
اشتغلت على إعادة الاعتبار للشرق المغربي داخل الخريطة العلمية الوطنية، وربطت بين البحث الجامعي وقضايا المجتمع، خاصة في ما يتعلق بالتراث الصناعي والذاكرة المحلية. مسارها يؤكد أن الاشتغال على الأثر ليس عودة الى الماضي، بل مساهمة في صياغة تصور متوازن للمستقبل. أيّ عزيمة تلك التي تجعل امرأة تلازم المواقع الأثرية تجمع ما بين التحري والحفر الأركيولوجي تحت شمس الشرق القاسية، وتعود لتكتب وتنقّح وتراجع، ثم تقف من جديد لتؤسس يوما دراسيا أو تشرف على أطروحة أو تنظّم معرضا للتراث المادي؟ وأيّ إيمان هذا الذي يجعلها ترى في كل حجر رسالة، وفي كل تلّ جنائزيّ حكاية شعب كامل؟ كيف ترى مستقبل التراث في منطقة تحتاج إلى كثير من الرعاية وكثير من الجرأة؟ وهل تؤمن بأن جرادة يمكن أن تتحوّل من مدينة منجم منطفئ إلى منارة ذاكرة صناعية مضيئة؟نزهة بودهو ليست مجرد اسم في سجلّ جامعي، بل هي حالة ثقافية، امرأة تمشي فوق التاريخ فلا ينهار، تمسك بطرف الماضي لتثبّت به الحاضر، وتفتح في جدار النسيان نافذة للشرق المغربي كي يرى كما يستحق.
في عيد المرأة، حين نبحث عن رموز حقيقية، يكفي أن نلتفت إلى تلك التي تحفر في الصخر كي تمنح الوطن ذاكرة، وتغرس في أرضه شجرة وعي لا تذبل. كم من امرأة في هذا الوطن تعمل بعيدا عن الأضواء، تبني لبنة في جدار الوعي، وتعود إلى بيتها دون تصفيق؟إنها تمثّل هذا النمط النبيل من النساء: نساء يكتبن الوطن في صمت، ويشيّدن المجد دون أن يلتفتن إليه. هي لا تظهر في نشرات الأخبار، لكنها حاضرة في خرائط التراث، في موسوعات الأمازيغ، وفي ذاكرة كل طالب سار خلفها في موقع أثريّ تحت شمس الشرق. في الشرق المغربي، حيث تلتقي الجبال بالسهول، وحيث تتكئ المدن على ذاكرة رومانية. وأمازيغية وإسلامية، تقف نزهة بودهو كجسر بين الماضي والمستقبل. هي ليست فقط أستاذة تاريخ قديم. هي امرأة تعيد للشرق المغربي مكانته في كتاب الوطن. فسلام على نساء الخفاء، على اللواتي يصنعن المجد بصمت نبيل، وسلام على نزهة بودهو، سيّدة الأثر، وناسجة الزمن بين المهجر والمغرب، بين الحجر والحلم، بين الماضي الذي لا يموت والمستقبل الذي ينتظر من يكتبه.



