حين تكذب الأرقام… وتنكشف أزمة الثقة بين المواطن والحكومة

بقلم : الحسن سنداني
التعامل مع ملف الأضاحي هذا العام لم يعد مجرد نقاش موسمي عابر، بل تحوّل إلى مرآة تعكس عمق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات. حين يخرج مسؤول حكومي بتصريح يؤكد “وفرة” القطيع بملايين الرؤوس، في وقت يشعر فيه المواطن بأن الأسعار ملتهبة والقدرة الشرائية منهكة، فإن الإشكال لا يكون فقط في الرقم، بل في الفجوة الصارخة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش.
تصريحات وزير الفلاحة، محمد صديقي، حول توفر نحو 8 ملايين رأس من الغنم، قد تبدو تقنياً معطىً إحصائياً، لكنها سياسياً واجتماعياً تحمل دلالات خطيرة. أولها أن الحكومة ما زالت تراهن على لغة الأرقام المجردة دون مراعاة أثرها النفسي على المواطنين، وثانيها أن هذه الأرقام، حتى إن كانت صحيحة من حيث الجرد، لا تعكس بالضرورة القدرة الفعلية للمواطن على اقتناء الأضحية. فالمشكل لم يعد في “الوفرة”، بل في “الولوج” إلى هذه الوفرة.
المغاربة اليوم لا يناقشون عدد رؤوس الأغنام بقدر ما يتساءلون: هل هذه الأضاحي في متناولهم؟ هل الأسعار منطقية؟ هل هناك مراقبة حقيقية لسلاسل التوزيع والوسطاء؟ هنا يظهر الخلل الحقيقي. لأن السوق، في ظل غياب ضبط صارم، تتحول إلى مجال مفتوح للمضاربة والاحتكار، حيث ترتفع الأسعار بشكل غير مبرر، ويُترك المواطن وحيداً في مواجهة “التشناقة” واللوبيات.
من جهة أخرى، فإن تحميل المسؤولية الكاملة لتصريح واحد قد يكون تبسيطاً للمشكل. القضية أعمق، وترتبط بمنظومة كاملة تشمل تدبير القطاع الفلاحي، سياسات دعم الكسابة، كلفة الأعلاف، آثار الجفاف، وضعف آليات المراقبة. بمعنى أن الرقم المعلن، حتى لو كان دقيقاً، لا يساوي شيئاً إذا لم يُترجم إلى توازن في السوق وعدالة في الأسعار.
أما سياسياً، فإن مثل هذه التصريحات تضع الأحزاب والحكومة أمام امتحان المصداقية. فالمواطن لم يعد يثق بسهولة في الخطابات الرسمية، خصوصاً حين تتكرر فجوة “ما يقال” و”ما يُعاش”. وهنا تبرز ضرورة المساءلة، ليس بمنطق الشعبوية أو تصفية الحسابات، بل بمنطق ربط المسؤولية بالمحاسبة، عبر المؤسسات الدستورية، وخاصة البرلمان، الذي يفترض أن يمارس دوره الرقابي بجدية بعيداً عن الحسابات الضيقة.
الحل لا يكمن في الجدل حول الأرقام فقط، بل في إعادة ترتيب الأولويات:
أولاً، اعتماد شفافية حقيقية في المعطيات، مصحوبة بتوضيح منهجية احتسابها.
ثانياً، تفعيل مراقبة صارمة للأسواق لمحاربة المضاربة والاحتكار.
ثالثاً، دعم موجه للفئات الهشة يمكنها من مواجهة تكاليف الأضحية دون استنزاف.
رابعاً، خطاب سياسي واقعي يحترم ذكاء المواطن ولا يستفزه بأرقام معزولة عن السياق.
في النهاية، الأزمة الحالية ليست أزمة أضاحي بقدر ما هي أزمة ثقة. وإذا لم تُعالج هذه الهوة بين المواطن والمسؤول، فإن أي رقم، مهما كان دقيقاً، سيتحول في نظر الناس إلى مجرد “تصريح” جديد لا يغير شيئاً في واقعهم.



