
بقلم: ربيع كنفودي
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية 23 شتنبر 2026، يعيش المشهد السياسي المغربي مرحلة جديدة وغريبة في مجال التنافس بين الأحزاب السياسية، حيث لم تعد المنافسة الانتخابية تدور فقط بين الأغلبية الحكومية والمعارضة، بل بدأت تطرح مفارقة سياسية لافتة تجدها فقط في الساحة السياسية المغربية، مفارقة تتمثل أساسا في ممارسة الأغلبية الحكومية والبرلمانية للمعارضة وتسويق خطاب المعارضة.
فبعد سنوات من التدبير الحكومي، وخلال اللقاءات التواصلية التي تعقدها أحزاب الأغلبية المعارضة لتدبيرها، أصبحت ملفات القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والدعم الاجتماعي، في صلب الخطاب الانتخابي لهذه الأحزاب التي دخلت غمار التنافس والصراع على الفوز بالمرتبة الأولى، لكن ما يثير الإنتباه، أن الانتقادات الصادرة اليوم بخصوص تسيير وتدبير هذه القطاعات والمرحلة الحكومية بصفة عامة، تصدر عن مكونات سياسية لم تكن فقط مشاركة في الأغلبية، بل كانت تسهر على تدبير قطاع من القطاعات التي أصبحت اليوم شعارا للحملة الانتخابية لهاته الأحزاب، وهنا يطرح السؤال، إذا كانت الحكومة مسؤولة عن السياسات العمومية، فمن المسؤول عن الاختلالات التي تنتقدها اليوم بعض مكوناتها؟
منذ تشكيل حكومة عزيز أخنوش سنة 2021، تولت ثلاثة أحزاب رئيسية تدبير المرحلة، حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب الأصالة والمعاصرة، وحزب الاستقلال.
في بدايته كان التحالف الحكومي، يقدم على أن الأغلبية منسجمة وقادرة على تنفيذ البرنامج الحكومي الذي قيل عنه ووصفوه بالبرنامج الطموح قبل أن تظهر في السنتين الأخيرتين مواقف وتصريحات متباينة بين مكونات التحالف كشفت حقيقة “الانسجام”، ولو أن البعض من داخل الأغلبية البرلمانية عبر عن هشاشة هذا التحالف والتغول الذي كانت تسير به الحكومة التي يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية بدأت الهوة تتسع بين أحزاب الأغلبية والذي كان يدافع بالأمس عن الحكومة بأحزابها الثلاثة، اليوم أصبح يوجه سهام الانتقاد ويقدم أرقاما ومعطيات تضع الحزب الذي يقود الحكومة في قفص الاتهام مصورة بذلك في خطابها المعارض للحكومة، ولنفسها في نفس الوقت، أن كل الأزمات التي عاشها ويعيشها المواطن خلال هذه الولاية الحكومية تسبب فيها الحزب الأول، والأمر عكس ذلك، فالكل يتحمل المسؤولية ويتحمل جزء من المعاناة التي عاشها المواطن المغربي بل يجب أن يساءل ويحاسب عن حصيلة حزبه خلال هذه الولاية.
اليوم، كل حزب من أحزاب الأغلبية، من خلال مضمون خطابه الانتخابي، يحاول في هذه المرحلة من السباق الانتخابي أن يقدم نفسه على أنه هو مشروع المستقبل، ويقدم نفسه للناخب أنه هو القادر على معالجة المشاكل التي تؤرق المغاربة، إلا أن الإشكال يكمن في أن الأحزاب التي كانت جزء من الحكومة لا يمكن أن تسوق لمثل هذا الخطاب وكأنها كانت خارج دائرة المسؤولية، وهنا نتساءل أيضا: هل هذه الأحزاب هي مشروع بديل لمستقبل واعد، أم أنها شريك في الأزمة وفي المعاناة التي عاشها ولازال المواطن المغربي؟
لا يختلف اثنان أن المغرب مقبل على انتخابات ستكون فيها الحصيلة الحكومية حاضرة بقوة في النقاش العام. وقد بدأت الاستعدادات الرسمية والسياسية لانجاح هذا الاستحقاق والعرس الذي نأمل أن يكون ديمقراطيا بامتياز، وتحركت الأحزاب لتحديد مرشحيها وخطاباتها الانتخابية. لكن الأكيد، أن التحدي بالنسبة للأحزاب ليس فقط إقناع المواطن ببرنامج جديد، بل إقناعه أيضا بأن الوعود الجديدة تختلف فعلا عن الوعود السابقة. وهنا تظهر أهمية المصداقية السياسية.
فالناخب اليوم، قد يتقبل اعتراف أحزاب الأغلبية بأخطائها في تدبير ملف معين، كملف الفراقشية وتضارب المصالح والصفقات، وأن يعترف بوجود اختلالات داخل الحكومة، لكنه في المقابل سيرفض رفضا تاما كل خطاب يقوم على التنصل الكامل من المسؤولية.
فالانتخابات هي لحظة الحساب، والأحزاب التي شاركت في تدبير الحكومة مطالبة اليوم بكل مسؤولية، بأن تقدم للناخب حصيلتها بوضوح، ماذا وعدت؟ ماذا أنجزت؟ ماذا لم تنجز؟ ولماذا؟ وأن تجيب بدورها عن سؤال جوهري، هل كانت هذه الانتقادات حاضرة بالقدر نفسه عندما كانت في موقع القرار؟
لنلخص القول: هل نحن أمام أغلبية تستعد للانتخابات، أم أمام أحزاب أغلبية بدأت، قبل الأوان، في ارتداء جلباب المعارضة؟ فالمواطن لا يحتاج فقط إلى من يخبره بأنه يعاني، لأنه يعرف ذلك جيداً، لكن يريد من يشرح له لماذا ظل يعاني، ومن يتحمل مسؤولية معاناته، وماذا سيفعل غدا حتى لا تتكرر المعاناة؟



