أخبارالرئيسيةفي الصميم

الاستخبارات الفرنسية..جيش من الباحثين المدنيين والعسكريين يلهثون وراء المعلومة لدرء المخاطر

باريس ـ أحمد الميداوي

من دون استخبارات يصعب على أية دولة مهما كانت قوتها أن تضمن البقاء. والإعلام بمختلف ألوانه (وكالات، صحف، مواقع إلكترونية…) يلعب ضمن نشاطه اليومي دورا هاما في توفير المعلومة اللازمة لاتخاذ القرار السياسي الأنسب. هكذا لخص الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون الدور المحوري للمخابرات في درء المخاطر واستباق الأحداث المحتملة.

ولأنها بحاجة إلى المعلومة في مختلف المجالات بدءا من الابتكارات الصناعية والتكنولوجية ة إلى المعلومة الفضائية العسكرية وغيرها، فإن مصالح الاستخبارات توظف جيشا عرمرم من المدنيين والعسكريين والعلماء والمحللين والباحثين والإعلاميين، يمدونها بمعلومات في غاية الدقة لتفادي نتائج قد تكون وخيمة على مستوى القرار السياسي. وأقل ما تتوفر عليه الدول في مجال الاستخبارات مصلحتين أساسيتين، الأولى تهتم بالأمن الداخلي (التجسس المضاد) والثانية تتولى الأمن الخارجي (التجسس خارج التراب الوطني).

ولتقريب مهام هذه المصالح وعلاقاتها بحكوماتها، لا بد من اقتحام الفضاء الاستخباراتي الفرنسي بمختلق تنظيماته وعمليات التنسيق بين المصالح الداخلية والخارجية، والتي لا تخلو من اختلالات بحكم الصراع والتنافس القويين بين وزارتي الدفاع والداخلية في محاولة كل واحدة منهما تحقيق السبق أو الاستفراد بالمعلومة.

ونبدأ بإدارة مراقبة التراب التي أحدثت سنة 1944 في عهد الرئيس شارل دوغول، وكانت تابعة للجيش قبل أن تصبح سنة 1989 خاضعة لوصاية وزارة الداخلية. ومن مهامها تتبع التطورات السياسية بالخارج وتوفير ما يلزم من معلومات مرتبطة بمراقبة التراب وتعزيز الدور السياسي الفرنسي عبر العديد من الموظفين بسفارات فرنسا وخاصة تلك التي تعد محورية مثل موسكو وواشنطن وبرلين ولندن وتل أبيب. أما المغرب العربي الذي تربطه بفرنسا علاقات متميزة، فقد سعت إدارة مراقبة التراب ألى تطوير شبكة قوية من المخبرين في إطار ما تسميه بمكافحة الإرهاب.  

وفي سابقة باغتت الكثير من الخبراء، قرر الرئيس السابق فرانسوا هولاند قبل سنة من تنحيه عن السلطة، ربط إدارة مراقبة التراب بمصلحة الاستعلامات العامة في مديرية واحدة أسماها “المديرية المركزية للاستعلامات الداخلية”، ومهامها منتظمة في قسمين أساسيين، قسم “الاستعلامات” ويتولى حماية “المصالح المركزية للدولة”، وقسم ثاني يعمل على “المعلومات العامة” ذات الصلة بالتماسك الوطني والنظام العام بما في ذلك مراقبة العنف الحضري والإجرام والتحركات الاجتماعية.

أما القطاع الاستعلامي الثاني بمفهومه الاستخباراتي الدولي، فيتجسد في الإدارة العامة للمصالح الخارجية التي وإن كانت تابعة لوزارة الدفاع، فإن قيادة الأركان العامة وكذا رئاسة الحكومة تستفيدان من خدماتها. ومن مهامها البحث واستغلال المعلومات ذات الصلة بأمن فرنسا. وتضم نحو 6.500 شخص (25 % من النساء) يُضاف إليهم نحو ألف من العاملين في ما يسمى ب”خلية الجبهة”.

ومن بين مصالح الاستخبارات الأخرى، مديرية الاستعلامات العسكرية التي أحدثت على خلفية حرب الخليج وتشغل ما يزيد عن 1.800 موظف، وأيضا مديرية العمليات الخاصة وتضم “القوات الخاصة” التي يمكنها التدخل في العمليات واستقاء المعلومات اللازمة.

وقد حددت وزارة الدفاع مؤخرا مهام جديدة للجيش تقوم على استراتيجية المعرفة والاستباق، وهو ما فسره الخبراء العسكريون بتقوية أجهزة الاستعلامات التي انتقلت ميزانيتها من 450 إلى 800 مليون أورو سنويا.

وتقوم رؤية الأجهزة الاستخباراتية على أن القوة العسكرية والدبلوماسية الكبيرة رهينة بالقوة الاستعلامية الكبيرة لا سيما وأن التهديد المباشر الذي هو “الإرهاب” بات يأخذ، برأي الأجهزة الاستعلامية، أشكالا مختلفة بيولوجية وكيمياوية.

ويختلف الوضع الاستخباراتي اليوم عن سابقه إبان الحرب الباردة حيث الإمكانات لاستعلامية تنوعت وتضاعفت، والتهديدات الأمنية اختلفت. فمن كان يخطر بباله يوما أن يهز شيخ (أسامة بن لادن) يعيش بين جبال أفغانستان ووديانها، الأرض تحت أقدام أمريكا التي وظفت ضده أقوى جيوش العالم قبل أن تغتاله عام 2011.

ومنذ انتهاء الحرب الباردة، لم يعد للتمييز بين “القضايا الداخلية” و”القضايا الخارجية” أي مدلول سياسي أو أمني. فالإرهاب والجريمة المنظمة والرهانات الاستراتيجية، والمصالح الاقتصادية والمالية، والانتفاضات الشعبية تداخلت بشكل يصعب ضبطها أو التحكم في خيوطها.

ويرى الخبراء في الإصلاح الجديد للمجال الاستخباراتي ثلاثة توجهات حديثة في الاستراتيجية الاستخباراتية الفرنسية: أولها تهميش العدالة في ملف الإرهاب وجعلها بعد أن كانت تتحكم في هذا الملف، مجرد منفذة لتعليمات وزارتي الداخلية والدفاع، وثانيها الانصياع الكامل للولايات المتحدة التي جعلت من الإرهاب الخطر الوحيد الذي يتهدد الغرب. أما التوجه الثالث وهو نتيجة حتمية للتوجهين الأولين فيتجلى في عملية إقصاء أو غض الطرف بالمرة عن التهديدات الأخرى المتمثلة في التهريب بمختلف أشكاله والجريمة المنظمة والفساد الاقتصادي والمالي وما إلى ذلك..

وتجتهد المصالح الاستخباراتية الفرنسية برمتّها (الشرطة، الدرك، الجيش، المخبرين المدنيين والإعلاميين…) في استباق مخاطر “الإرهاب الإسلامي” الذي يتهدد البلد، على حد زعم ساسته من أهل اليمين واليسار معا، حيث تعمل فرنسا بشكل حثيث على مراقبة التيارات والمنظمات الإسلامية. وتشرك معها تحت يافطة”الخطر الإسلامي”، أجهزة استخبارات بلدان المغرب العربي التي تساعدها على جمع المعلومات، ومراقبة المساجد، وتتبع الندوات الإسلامية للتأكد من محتوياتها السياسية والدينية.

والمعروف عن هذه الأجهزة أنها تتذرع بحجة اهتمامها بالمشكلة الإسلامية لكي تمارس تأثيراتها السياسية والاجتماعية الضاغطة في مجالات أخرى. وهي لا تكتفي بمراقبة الأصوليين، بل تضع أعينها أيضا على النخب الدينية المغاربية والإفريقية لكونها من أصول إسلامية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button