غير مصنف

فاس تستعيد أنفاسها المائية ووادي الجواهر يوقظ روح فاس العتيقة

كأن السماء قررت أن تفتح ذراعيها لفاس، فتهبها من غيثها ما ينعش الذاكرة ويغسل الغياب. بعد سنوات من الجفاف وشح الموارد، عانقت المدينة العتيقة أمطاراً غزيرة أعادت الحياة إلى وادي الجواهر، ذاك الشريان الذي كان يوماً قلبها النابض بالماء والحياة. ارتفع منسوب المياه، وجرت السيول في مجراها القديم، لتعيد إلى الأذهان صورة فاس كما كانت، مدينة تتنفس من عيونها ووديانها، وتغتسل بروحها الطبيعية الأصيلة.

في مشهد نادر، تحولت أزقة فاس البالية إلى لوحات مائية عاكسة، شبهها البعض بـ”فينيزيا المغربية”، حيث امتزجت رائحة المطر بعبق التاريخ، وتراقصت انعكاسات الضوء على صفحة الماء كأنها تحيي ذاكرة المكان.

استقبلت الساكنة هذا الحدث بفرح غامر، فالأمطار التي طال انتظارها أيقظت الأمل في موسم مائي واعد، يعيد التوازن إلى الفرشة الجوفية وينعش العيون الطبيعية التي طالها الجفاف. مواطنون تحدثوا عن إحساس بالطمأنينة والامتنان، معتبرين أن هذه التساقطات من أغزر ما شهدته المدينة في السنوات الأخيرة، وأنها بشارة خير لبيئةٍ عطشى ومجتمعٍ متعطش للحياة.

امتلاء وادي الجواهر لم يكن مجرد حدث طبيعي، بل عودة رمزية لذاكرة فاس المائية، تلك التي شكلت عبر القرون جزءاً من هندستها العمرانية وروحها البيئية. فالماء في المدينة العتيقة لم يكن مجرد مورد، بل عنصر توازن وجمال، يغذي الحرف التقليدية ويمنح الحياة لأزقتها وساحاتها.

غير أن هذا المشهد البهيج ترافق مع دعوات من فاعلين محليين وسكانٍ غيورين على المدينة، إلى الحفاظ على نظافة الوادي وصون طابعه التاريخي، خاصة أنه يشكل ممراً رئيسياً نحو دار الدباغ، أحد أبرز رموز فاس الصناعية والتراثية. وطالبوا بوقف كل أشكال التلوث ورمي النفايات، احتراماً لذاكرة المكان وجماله الطبيعي.

تساقطات هذا الموسم لم تكن مجرد مطر، بل رسالة من الطبيعة بأن فاس ما زالت قادرة على النهوض من عطشها، وأن التوازن المائي يمكن أن يعود متى ما احترم الإنسان بيئته. إنها عودة الماء إلى مجراه، وعودة الروح إلى المدينة التي طالما كانت مرآةً للتاريخ، وموطناً للجمال المتجدد.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button