Hot eventsأخبارأخبار سريعة

أمل في العيد .. ونقول يارب

بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

جاء العيد… ولكن الفرحة كأنها تأخرت عن الطرقات والأسواق والبيوت. لم تعد تلك الحركة التي كانت تبعث الدفء في النفوس، ولا تلك الروائح الزكية التي كانت تتصاعد من الأفران معلنة قدوم أيام البهجة. خفتت الأحاديث عن ثياب العيد وحلوى الصغار، وحلّ محلها حديث ثقيل عن الفيضانات والزلازل، وعن الضحايا الذين باغتتهم المآسي وهم يحلمون بيوم جديد.
في أماكن كثيرة من هذا العالم، اشتعلت السماء نارًا، واحترقت الأرض تحت أقدام الأبرياء. تهدمت المٱذن و الصوامع والمساجد، وسقطت الأبراج، ودفنت أجساد تحت الأنقاض بفعل الحروب التي لا ترحم. ارتفعت أصوات الاستغاثة، واختلطت صرخات الأطفال ببكاء الأمهات وعويل الفاقدين، حتى بدا المشهد وكأن الإنسانية كلها تنزف جرحًا واحدًا.
والحرب لا تقتل الجسد وحده، بل تترك في النفس ندوبًا عميقة لا تمحوها الأيام بسهولة. تزرع الخوف في القلوب، وتطفئ نور الطمأنينة في البيوت، وتحوّل الأحلام البسيطة إلى أمنيات بعيدة. كما تمتد آثارها إلى لقمة العيش؛ فترتفع الأسعار، وتضيق موارد الناس، ويثقل الغلاء كاهل الفقراء، فتغدو الحياة أكثر قسوة على من لم يكن لهم ذنب سوى أنهم أرادوا أن يعيشوا بسلام.
ومع ذلك، يبقى العيد رسالة أمل قبل أن يكون موعدًا للفرح. هو نداء خفي بأن الرحمة أقوى من القسوة، وأن السلام أقدر على البقاء من صوت المدافع. ففي ليلة العيد تتجه القلوب إلى السماء بالدعاء أن يرفع الله البلاء عن عباده، وأن يبدل الخوف أمنًا، والحزن فرحًا، وأن يفتح للإنسانية أبواب الرحمة والتآلف.
فلعل العيد يأتي هذه المرة لا ليذكرنا فقط بالفرح، بل ليوقظ فينا معنى الأخوة الإنسانية؛ أن الإنسان أخو الإنسان، مهما اختلفت لغته أو وطنه أو معتقده. وأن السلام ليس حلمًا بعيدًا، بل مسؤولية تبدأ من القلوب قبل أن تصنعها السياسات.
ولعل أعظم ما يمكن أن يحمله العيد للإنسانية ليس ثوبًا جديدًا ولا مائدة عامرة، بل قلبًا جديدًا يتسع للمحبة، وعقلًا يؤمن بأن الحرب لا تبني وطنًا ولا تصنع مستقبلًا. فحين يتعلم الإنسان أن يطفئ نار الحقد في صدره قبل أن يطفئها في ساحات القتال، وحين يوقن أن كرامة الإنسان أغلى من كل مكاسب الصراع، آنذاك فقط يصبح العيد عيدًا حقيقيًا. عندها تبتسم الأرض بعد طول أنين، ويعود السلام ليظلل البشر جميعًا، فيعيش الإنسان أخًا للإنسان، وتشرق في القلوب شمس الطمأنينة والرجاء

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button