أخبارالرئيسيةصحافة وإعلام

حين يتحول“البوز” إلى سياسة عمومية..من يحمي المال العام والإعلام الجاد؟

✍️ ذ. زهير أصدور-

لم يعد النقاش حول الإعلام في المغرب ترفا فكريا أو سجالا مهنيا معزولا، بل أضحى سؤالا سياسيا بامتياز، يمس طبيعة الدولة واختياراتها في تدبير المال العام وتوجيهه.

والدليل أن هذا الموضوع لم يعد حبيس الصالونات أو منصات التواصل، بل شق طريقه إلى المؤسسة التشريعية، عبر السؤال الذي تقدم به النائب محمد أوالزين، في إشارة واضحة إلى أن الاختلال بلغ مستوى يستدعي مساءلة سياسية مباشرة.

في قلب هذا الجدل تقف مفارقة صادمة: كيف يمكن لمنصات رقمية تبني نموذجها على الإثارة، وتراكم أرباحا من “البوز” والمشاهدات، أن تجد لنفسها موطئ قدم داخل منظومة الدعم العمومي؟ كيف يمكن لكيانات تشتغل بمنطق السوق الخالص، بل أحيانا بمنطق “اقتصاد الفضيحة”، أن تطالب بنصيبها من المال العام الموجه أصلا لدعم الصحافة كخدمة مجتمعية؟المسألة هنا ليست أخلاقية فقط، بل اقتصادية وسياسية في العمق. لأن الدعم العمومي ليس إحسانا، بل أداة من أدوات السياسة العمومية لتوجيه قطاع حيوي، وضمان توازنه، وحمايته من الانهيار.

وعندما تفرغ هذه الأداة من مضمونها، وتتحول إلى مورد مفتوح لمن يجيد اللعب على خيوط الإثارة الرقمية، فإننا نكون أمام انحراف في فلسفة الدعم نفسها.

لقد أفرزت الثورة الرقمية واقعا جديدا: لم يعد الإعلام حكرا على المؤسسات الكلاسيكية، بل أصبح مفتوحا أمام فاعلين جدد، بعضهم قدم إضافات نوعية، لكن كثيرين اختاروا الطريق الأسهل: محتوى سريع، صادم، قائم على الإثارة، يحقق نسب مشاهدة عالية دون كلفة مهنية تذكر.

هذا النموذج، وإن كان مشروعا في إطار حرية التعبير والمبادرة الاقتصادية، فإنه لا يمكن أن يساوى بالإعلام المهني الذي يشتغل وفق قواعد، ويتحمل التزامات، ويؤدي أثمانا مادية وبشرية يومية.

الإشكال الحقيقي يبدأ حين تطمس الحدود بين هذين العالمين. حين يصبح “الترند” معيارا، و”عدد المشاهدات” بديلا عن الجودة، و”الضجيج” بديلا عن المعلومة.

هنا لا نكون فقط أمام أزمة إعلام، بل أمام خلل في سلم القيم الذي يؤطر الفضاء العمومي.وما يزيد الوضع تعقيدا، هو أن بعض هذه المنصات لا تكتفي بتحقيق الأرباح من الإعلانات والمشاهدات، بل تسعى في الوقت نفسه إلى الاستفادة من الدعم العمومي، دون أن تلتزم بأبسط شروطه: احترام أخلاقيات المهنة، ضمان حقوق العاملين، الشفافية المالية، أو حتى الانخراط في منظومة تنظيمية واضحة.

إنها حالة “ازدواجية مريحة”: أرباح السوق حين ترتفع المداخيل، ودعم الدولة حين تقتضي الحاجة.في المقابل، تجد المقاولات الصحفية الجادة نفسها في وضعية اختناق حقيقي. فهي مطالبة بالامتثال للقانون، واحترام دفاتر التحملات، وأداء أجور الصحفيين، وتحمل كلفة الإنتاج، وفي الوقت ذاته منافسة محتوى لا يخضع لنفس الشروط. إنها منافسة غير عادلة، بل يمكن القول إنها تهدد بقتل ما تبقى من صحافة مهنية لصالح “إعلام بلا قواعد”.

أن يصل هذا النقاش إلى البرلمان يعني أن الدولة مدعوة اليوم إلى الحسم: هل ستستمر في دعم قطاع إعلامي بلا تمييز، أم أنها ستعيد تعريف معايير الاستفادة بشكل يربط الدعم بالاستحقاق الحقيقي؟ هل ستسمح باستمرار هذا “التزاوج الغريب” بين الريع العمومي والربح الرقمي، أم ستضع حدا فاصلا بين من يشتغل بمنطق الخدمة العمومية، ومن يشتغل بمنطق التجارة؟الأمر لا يتعلق فقط بحماية المال العام، بل أيضا بحماية المجتمع من الانزلاق نحو نموذج إعلامي يقوم على الإثارة والتشهير وتبخيس القيم.

فالإعلام ليس مجرد صناعة، بل هو أحد أعمدة تشكيل الوعي الجماعي. وعندما يترك هذا المجال دون ضوابط، أو يكافأ من يسيء استعماله، فإن الكلفة لا تكون مالية فقط، بل ثقافية وأخلاقية أيضا.

إن إعادة ترتيب هذا المشهد تقتضي شجاعة سياسية حقيقية. تبدأ بمراجعة معايير الدعم العمومي، وربطها بوضوح بالالتزام المهني والاجتماعي، وتمر عبر تفعيل آليات المراقبة والمحاسبة، ولا تنتهي دون فتح نقاش وطني صريح حول مستقبل الإعلام في ظل التحول الرقمي.المطلوب ليس إقصاء أحد، ولا محاربة المبادرات الجديدة، بل وضع قواعد عادلة وواضحة: من اختار منطق السوق فليتحمل قواعده، ومن أراد الاستفادة من المال العام فليلتزم بشروطه.

أما الجمع بين الاثنين دون ضوابط، فليس سوى وصفة لفوضى إعلامية، وخلل اقتصادي، وتبديد غير مبرر للمال العام.في النهاية، المسألة أبعد من “البوز” وأعمق من مجرد دعم.

إنها معركة حول معنى الإعلام، وحدود الحرية، ومسؤولية الدولة في حماية التوازن بين الابتكار والانضباط، بين السوق والقيم، وبين الربح والرسالة. وإذا لم يحسم هذا التوازن اليوم، فقد نجد أنفسنا غدا أمام إعلام يملك كل شيء… إلا المصداقية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button