Hot eventsأخبارأخبار سريعةثقافة و فن

مقاطعة شراء اللحوم… وإقدام شهي على أكلها

بقلم الأستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي

أخذت مقعدي في الحافلة أحدّق في الطريق الطويل الممتد أمامنا، وكانت المقاعد تمتلئ بالمسافرين، كلٌّ يحمل وجهته وهمومه. لم يكد يستقر بي المقعد حتى جلس إلى جانبي رجل أنيق المظهر، حليق الذقن، مرتدٍ بدلة عصرية، وعلى رأسه قبعة إفرنجية تضفي عليه شيئًا من الوقار.
التفت إليّ بلطف وسأل:
ـ إلى أين الوجهة؟
قلت:
ـ إلى العاصمة، إن شاء الله.
ابتسم ابتسامة العارف بالأسرار وقال:
ـ إذن أنت ذاهب لحضور مؤتمر حزبي استثنائي.
ابتسمت بدوري وقلت:
ـ لا يا سيدي، إنما أقصد الطبيب.
رمقني بنظرة فاحصة، ثم قال بثقة:
ـ أظنك من المنطقة الشرقية.
قلت:
ـ نعم، يبدو أن لكنتي فضحتني.
ثم سألته:
ـ وأنت يا سيدي، إلى أين القصد؟
تنحنح قليلًا وقال:
ـ أنا أتجول بين المدن… وكلما سمعت بمؤتمر حزبي قصدته.
دهشت وقلت:
ـ أتحضر كل المؤتمرات الحزبية؟
أجاب ببرود وكأن الأمر بديهي:
ـ نعم… لكن لا تظنني متحزبًا. أنا رجل محايد تمامًا.
توقفت لحظة قبل أن أسأله:
ـ وما الذي يدفعك إذن إلى حضورها؟
ابتسم ابتسامة عريضة وقال:
ـ موائدهم يا سيدي!
ثم أضاف وهو يلوّح بيده في الهواء:
ـ في زمن غلاء الأسعار وارتفاع ثمن اللحوم الحمراء..، صارت تلك المؤتمرات نعمة. أجد فيها ما يسدّ جوعي ويوفّر عليّ مصاريف الطعام!
ثم انفجر ضاحكًا ضحكة عالية ارتجّت لها الحافلة، حتى التفت إليه بعض الركاب من المقاعد الخلفية. وبعد أن هدأ قليلًا، التفت إليّ وقال:
أنا مع مقاطعة شراء اللحوم الحمراء وحتى البيضاء ولكن يستهويني أكلها بالمجان على حساب بعض الأحزاب
“ما رأيك… ألا ترافقني ليوم..؟”
لحسن الحظ، توقفت الحافلة بعد قليل في باحة استراحة، ونزل المسافرون يتمددون ويتنفسون بعض الهواء. اغتنمت الفرصة وتوجهت إلى السائق أطلب تغيير مقعدي إلى آخر صف.
جلست هناك في صمت، وأخرجت منديلاً وضعته على وجهي… ليس طلبًا للنوم، بل كي لا تقع عيناي مرة أخرى على ذلك الرجل الغريب، تلك المفارقة البشرية التي جمعت بين أناقة المظهر… وبساطة الغاية.
جلست في المقعد الخلفي متأمّلًا ما جرى، بينما كانت الحافلة تشقّ الطريق نحو العاصمة. حاولت أن أستسلم للنعاس، لكن كلمات ذلك الرجل ظلت تتردّد في ذهني: موائدهم يا سيدي… موائدهم!
تساءلت في سري: كم من مؤتمرات تُعقد لأجل الأفكار، وكم منها تُعقد لأجل الخطابات، وكم منها… لأجل الموائد؟
لم ألتفت خلفي، لكنني كنت أسمع ضحكته بين الحين والآخر تتسلّل عبر الممر الضيق للحافلة. عندها أدركت أن السياسة في هذا الزمن لم تعد تُقاس بعدد البرامج ولا بعمق المبادئ، بل ربما… بعدد الكراسي حول المائدة.
وأغمضت عينيّ مبتسمًا، وأنا أقول في نفسي:
لعلّ بعض المؤتمرات تُكتب قراراتها على الورق… لكن قرارات هذا الرجل تُكتب في معدته.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button