Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

خطورة تضليل الوعي المجتمعي في زمن البحث عن المشاهدات

أ.د.على أحمد جاد بدر أستاذ العلوم السياسية

في عصر الاعلام الرقمي المتسارع لم تعد الحقيقة هي ما يتصدر المشهد، بل ما يحقق أعلى نسب من المشاهدة والتفاعل، وهنا تكمن الاشكالية الكبرى حين يتحول الوعي الجمعي إلى ساحة للتلاعب، وتُختزل القضايا المصيرية في العناوين المثيرة والشعارات العاطفية، وتُقدَّم للجمهور باعتبارها انتصارات بينما الواقع يحمل الدلالات المختلفة، بل المتناقضة أحيانًا.

ولقد بات من الواضح أن جزءًا من الخطاب الاعلامي والسياسي في المنطقة العربية يُدار بالمنطق التعبوي، لا بالمنطق التحليلي، فعلى سبيل المثال يتم تصوير بعض الأحداث باعتبارها انتصارات استراتيجية، في حين تشير المؤشرات الميدانية إلى الخسائر الجسيمة على مستوى البنية التحتية، أو القيادات، أو حتى وحدة الدولة ذاتها.وفي الحالة الفلسطينية يُروَّج أحيانًا لفكرة الانتصار، بينما تُظهر الوقائع على الأرض حجم الدمار الهائل الذي تتعرض له غزة، وتدهور الأوضاع الانسانية والمعيشية بشكل غير مسبوق، وفي الحالة اللبنانية يُطرح خطاب مشابه حول الصمود والانتصار، رغم ما تكشفه الأحداث من استنزاف سياسي وأمني، وخسائر في القيادات، والتوترات التى تهدد الاستقرار الداخلي للدولة.

وأما في سوريا فالمشهد أكثر تعقيدًا إذ يُقدَّم أحيانًا باعتباره استعادة للسيادة، في حين أن الوقائع تشير إلى تعدد مناطق النفوذ، واستمرار التدخلات الخارجية، والتحديات العميقة في بنية الدولة، وبالمثل في ايران يُستخدم خطاب الانتصار في السياقات الاقليمية، بينما تواجه الدولة ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة، والتحديات الاقتصادية والسياسية التى لا يمكن تجاهلها.

والمشكلة لا تكمن في اختلاف التقييمات، فهذا أمر طبيعي في العلوم السياسية، بل في التناقض الصارخ بين الخطاب والواقع، حين يُقدَّم الوهم على أنه حقيقة، ويُسوَّق للجمهور باعتباره نصرًا، فإن ذلك لا يؤدي فقط إلى تضليل الوعي، بل يعيق أيضًا أي محاولة جادة للمراجعة أو التصحيح.

وأخطر ما في هذا النمط من الخطاب أنه يُنتج أجيالًا غير قادرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، بين التحليل والتعبئة، بين الانجاز الحقيقي والانتصار الوهمي، كما أنه يخلق حالة من الانفصال بين المواطن والواقع، حيث يعيش في عالم من الشعارات، بينما تتراكم الأزمات على الأرض.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للعقل النقدي، وللتحليل الموضوعي القائم على الوقائع لا على الأمنيات، فالمجتمعات لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بالعواطف وحدها، بل تحتاج إلى الوعي الرشيد، القادر على قراءة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.

ويبقى السؤال مطروحًا: هل نملك الشجاعة لمواجهة الحقيقة؟ وهل نستطيع أن نغادر منطقة الوهم المريح إلى فضاء الواقع الصعب؟ والإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل الوعي في مجتمعاتنا، بل وربما مستقبل هذه المجتمعات ذاتها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button