ظاهرة الانتقاص من الذات العربية.. قراءة في علم الاجتماع السياسي

أ.د.على أحمد جاد بدر أستاذ العلوم السياسية
في العقود الأخيرة برزت ظاهرة لافتة في الخطاب الثقافي العربي، تتمثل في نزوع بعض الكُتّاب والباحثين والمثقفين إلى الانتقاص من الواقع العربي، سواء باستهداف دولة بعينها ، أو منظومة الدول العربية ككل. ولقد اتخذت هذه الظاهرة أشكالاً متعددة، تراوحت بين النقد الموضوعي المشروع، وبين جلد الذات المفرط ، الذي يصل أحيانًا إلى حدود التحقير ، والتبخيس.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن هذه الظاهرة ليست عفوية، بل هي نتاج التفاعلات التاريخية، والسياسية، والثقافية المعقدة.ولا يمكن فهم هذه الظاهرة دون العودة إلى الحقبة الاستعمارية، حيث سعت القوى الاستعمارية إلى تفكيك البنية النفسية والثقافية للمجتمعات العربية، عبر ترسيخ الصورة الدونية للذات مقابل تعظيم الآخر الغربي، وقد استمرت هذه البنية الادراكية حتى بعد الاستقلال، من خلال النخب التي تلقت تعليمها في الخارج ، أو عبر المناهج التعليمية التى أعادت إنتاج هذا التصور بشكل غير مباشر.
وتعاني العديد من الدول العربية من الأزمات البنيوية في الحكم ، التى تتعلق بضعف المؤسسات، وغياب المشاركة السياسية الفعالة، وتراجع مستويات العدالة الاجتماعية، وهذه الأوضاع تدفع بعض المثقفين إلى أن تتبني الخطاب النقدي الحاد ، الذى قد يتحول في غياب التوازن إلى التعميم السلبي، الذى يطال الهوية العربية ذاتها، بدلًا من توجيه النقد إلى السياسات والهياكل.
وتُظهر نظريات علم الاجتماع السياسي أن الشعوب التي تعاني من الاخفاقات المتكررة سياسيًا أو اقتصاديًا أو عسكريًا تميل إلى إنتاج الخطاب النقدي الذاتي الحاد.
وفي الحالة العربية جاءت الهزائم العسكرية، والتبعية الاقتصادية، وتراجع الدور الاقليمي، لتغذي شعورًا بالاحباط الجمعي، يتم ترجمته أحيانًا إلى جلد الذات بدلًا من تحليل الأسباب الموضوعية.
ومع تسارع العولمة أصبح النموذج الغربي في السياسة والاقتصاد والثقافة هو المعيار الذي تُقاس عليه بقية المجتمعات، وهذا الأمر دفع بعض المثقفين إلى أن تتبني المقارنات غير المتكافئة، التى تؤدي إلى الاستنتاجات السلبية حول الواقع العربي، دون مراعاة الخصوصيات التاريخية والاجتماعية.
وفي بعض الحالات يسعى بعض الكُتّاب إلى كسب الاعتراف الدولي من خلال تبني الخطاب النقدي الذى يتماشى مع التصورات الغربية عن المنطقة، وهنا يتحول النقد من أداة للاصلاح إلى وسيلة للحصول على القبول الخارجي، حتى وإن جاء ذلك على حساب الصورة الذاتية.ومن المهم التمييز بين النقد كأداة للتطوير، وبين جلد الذات كحالة مرضية، فالنقد الموضوعي يستند إلى الأدلة ويهدف إلى الاصلاح، بينما جلد الذات يتسم بالتعميم والتبسيط، ويؤدي إلى إضعاف الثقة المجتمعية واحباط الأفراد.
ولقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذا الخطاب، حيث تم مكافأة الآراء الصادمة والمتطرفة بمزيد من الانتشار، مما يشجع على أن تتبني مواقف أكثر حدة سواء في النقد أو في الدفاع، وهو ما يخلق حالة من الاستقطاب الحاد.والمجتمعات الحية لا تتقدم إلا بالنقد، ولكن هذا النقد يجب أن يكون واعيًا ومسؤولًا، يوازن بين كشف العيوب والحفاظ على الثقة بالذات، فالمطلوب ليس تلميع الواقع ولا تشويهه، بل فهمه بعمق، وتفكيك أزماته، والعمل على إصلاحها من الداخل.
والانتقاص من الذات العربية، حين يتحول إلى خطاب عام، لا يخدم إلا مزيدًا من التفكك، بينما النقد البنّاء هو السبيل الحقيقي للنهوض، والتحدي الحقيقي أمام المثقف العربي ليس في نقد مجتمعه، بل في كيفية القيام بهذا النقد دون أن يفقد ايمانه بقدرة هذا المجتمع على التغيير والتقدم ، مع طرح الحلول المنطقية والمسار السليم لهذا التقدم.

