أخبارالرئيسيةصحافة وإعلامكلام والسلام

الصحفيون الشرفيون..معركة الكرامة

في زمن تتسارع فيه التحولات داخل التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، يبدو أن أكثر ما يؤلم ليس ضعف الموارد أو تراجع المقروئية، بل نسيان من صنعوا ذاكرة الصحافة المغربية. أولئك الذين حملوا القلم يوم كان الحبر سلاحاً، والصدق ميثاقاً، والكتابة موقفاً. اليوم، يُقصى الصحافيون المتقاعدون من تنظيمهم الذاتي، وكأن التجربة تُصبح عبئاً، وكأن الوفاء لم يعد جزءاً من أخلاقيات المهنة.

في ظل الجدل القائم حول القانون المنظم للتنظيم الذاتي، والذي يلج مرة أخرى محراب مجلسي النواب والمستشارين لتدارك مافات المشرع بعد تصحيح المحكمة الدستورية لروح مقتضياته وبعض نصوصه، السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح الآن ، هو لمصلحة من يتم إقصاء الصحافيات والصحافيين الشرفيين من المجلس الوطني للصحافة؟ وهو السؤال / الجرح الذي فتحه الزميل عبد الله الشرقاوي رئيس “منتدى الصحافيات والصحفيين الشرفيين بالمغرب” في تدوينة له، استوحيت منها هدا المقال.

هل هو مجرد سهو إداري؟ أم أن وراء هذا التهميش نية مبيتة لإسكات صوت الذاكرة المهنية؟

ففي النسخة الأولى من المجلس، كان للمتقاعدين تمثيل مستحق، اعترافاً بعطائهم الطويل. أما اليوم، فقد تم محوهم من الخارطة التنظيمية، وكأنهم لم يكونوا يوماً جزءاً من هذا الجسد المهني الذي بنوه لبنة لبنة.

إن ما يحدث لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه المهنة: تراجع القيم، وانكماش روح التضامن، وتغليب الحسابات الضيقة على المصلحة الجماعية. فحين يُقصى من أفنوا أعمارهم في خدمة الصحافة، فإن الرسالة التي تُبعث إلى الجيل الجديد واضحة: لا تنتظروا الاعتراف بعد أن تضعوا أقلامكم.

قد يقول البعض إن الأمر لا يتجاوز سوء تدبير أو غياب تنسيق، لكن حتى في هذه الحالة، النتيجة واحدة: إقصاء فئة تستحق التكريم لا التهميش. فهل يُعقل أن يُعتمد تمثيل المتقاعدين في النسخة الأولى للمجلس الوطني للصحافة، ثم يُلغى في الثانية دون مبرر واضح ومقنع؟.

الصحافيات والصحفيون الشرفيون

هل لأنهم أسسوا إطاراً مستقلاً، هو منتدى الصحافيات والصحافيين الشرفيين بالمغرب، الذي رأى النور في يوليوز 2023؟، وإذا كان الأمر كذلك، فهل أصبح التنظيم الحر جريمة؟ أم أن استقلالية الصوت تُزعج من اعتادوا احتكار التمثيلية؟

إن تأسيس المنتدى لم يكن خطوة احتجاجية بقدر ما كان صرخة كرامة، محاولة لإعادة الاعتبار لمن كتبوا التاريخ المهني الصحفي بعرقهم وصبرهم. هؤلاء لا يطالبون بمناصب ولا امتيازات، بل فقط بحق رمزي في التمثيل، واعتراف معنوي بأن الصحافة لا تُختزل في منابر اليوم، بل تمتد إلى من صنعوا مجد الأمس.

لقد كشف المنتدى، من خلال شهادات مؤثرة لعدد من القيدومين، عن واقع مرير يعيشه الصحافيون بعد التقاعد: هشاشة، عزلة، وتجاهل مؤسساتي.

شهادة الزميل، والصجيق العزيزالصحافي محمد نبزر، رئيس التحرير السابق لجريدة الاتحاد الاشتراكي، كانت صرخة موجعة تختزل معاناة جيل كامل. جيل كتب بضمير، ودفع ثمن الكلمة من صحته واستقراره، ليجد نفسه اليوم خارج دائرة الاعتبار.

أعضاء مكتب منتدى الصحافيات والصحافيين الشرفيين بالمغرب

إن ما يثير القلق ليس فقط غياب التمثيلية، بل صمت الوسط الصحافي أمام هذا الإقصاء. فالمهنة التي طالما دافعت عن العدالة والإنصاف، تبدو اليوم عاجزة عن إنصاف أبنائها. أين النقابات؟ أين الجمعيات والتنظيمات المهنية؟ أين الأصوات التي كانت تملأ الساحات دفاعاً عن حرية التعبير؟
هل أصبحت حرية التعبير انتقائية، تُمارس فقط حين تخدم مصالح معينة؟

إن الدفاع عن الصحافيين الشرفيين ليس دفاعاً عن الماضي، بل استثمار في ذاكرة المهنة. فهؤلاء هم من نقلوا الخبر في زمن لم تكن فيه التكنولوجيا تسهّل المهمة، وهم من واجهوا الرقابة والمضايقات ليصل صوت الحقيقة إلى الناس. إقصاؤهم اليوم هو إهانة للذاكرة الجماعية للصحافة المغربية.

قد يتقاعد الصحافي عن العمل، لكنه لا يتقاعد عن الانتماء. فالقلم لا يُحال على المعاش، والضمير المهني لا يُشطب عليه بقرار إداري. لذلك، فإن إعادة تمثيل الصحافيين الشرفيين داخل المجلس الوطني للصحافة ليست منّة، بل واجب أخلاقي ومهني.

الزميل عبدالله الشرقاوي رئيس منتدى الصحافيات والصحافيين الشرفيين بالمغرب

في النهاية، لا أحد يدوم في موقعه، ولا سلطة تبقى إلى الأبد. وكما قال الحكماء: “لو دامت لغيرك ما وصلت إليك”.
لكن ما يدوم حقاً هو الأثر، هو ما يتركه الصحافي من صدق في الكلمة ونبل في الموقف.
فهل نملك الشجاعة لنقول إن إقصاء الشرفيين خطأ يجب تصحيحه؟
أم سنواصل الصمت حتى يُمحى آخر أثر لمن كتبوا تاريخ الصحافة المغربية بمداد من الوفاء؟

الزميل عبد الله الشرقاوي يجاهد وبمعية نخبة من الصحافيات والصحافيين الشرفيين، جاهرا لمن يريد أن يصغي، ولمن لايريد حتى أن ينصت، مادام الجهر بصدق الكلمة ونبلها أضحت عملة نادرة قلما تتجه إليها الضمائر قبل الأنظار. لكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح، والضجيج ينتهي كما ينتهي خيط دخان.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button