مدغشقر.. لا ريونيون أم جزر المنفى

ترجمة: عبد الحق الريكي
كتب الدكتور محمد لشقر مرابو هذا المقال بالفرنسية ونقدّمه اليوم للقارئ العربي مترجمًا إلى اللغة العربية.
القاهرة، فبراير 1954
لكن بالنسبة لعبد الكريم، ومع توالي الأحداث، ظل سؤال واحد يلحّ بإصرار أشدّ من غيره: ما الذي كان يجري حقاً؟ وأي موقع تبقّى له داخل مشهدٍ كانت معالمه تُعاد صياغتها تدريجياً من دونه؟ غير أن مطلع فبراير حمل خبراً مفاجئاً انتشله لحظةً من دوّامة أفكاره. كاد لا يصدّق. ففي مواجهة احتمال ضعيف، لكنه اعتُبر كافياً، بأن يستعيد الإسبان بن يوسف ويقيموه في تطوان، قرّرت السلطات الفرنسية نفيه مرةً ثانية.
في 22 يناير 1954، غداة تجمّع تطوان، حسم مجلسٌ مصغّر برئاسة جوزيف لانييل القرار على عجل: السلطان المعزول سيُرحَّل إلى تاهيتي، على بُعد أكثر من ستة عشر ألف كيلومتر من الرباط. منفى سحيق، يكاد يكون مطلقاً، هدفه قطع كل صلة نهائية بينه وبين مملكته. كان من المقرّر أن يمرّ الترحيل عبر فورت-لامي ثم برازافيل، مع توقّف طويل في مدغشقر. وبمجرد إبلاغه، غادر بن يوسف كورسيكا في 25 يناير. وفي 30 من الشهر ذاته، حطّت الطائرة في أنتسيرابي، حيث تقرّر في النهاية أن يستقرّ هناك.
بعيدٌ إلى حدّ اللاواقع. احتاج عبد الكريم وقتاً ليستوعب هذه الأسماء. قاومته في البداية، ثم ما لبثت أن ترسّخت. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خاطفة سرعان ما بدّدتها نوبة سعال جاف. استعاد أنفاسه وطلب ماءً، ثم تمتم: «الحمد لله الذي يغيّر الأحوال من حالٍ إلى حال»، وهو يضع يده على جبينه.
هل خافت فرنسا؟ من رجلٍ لم يتخلَّ رسمياً عن عرشٍ كانت هي نفسها قد منحته له يوماً؟ هل رأت فيه خطراً؟ قادراً على الفرار، أو على تعبئة الأنصار، أو على العودة؟ ومع ذلك، لم يحمل السلاح قط. ظلّت معارضته متزنة وسلمية. لم يكن عدواً مُعلَناً. أليس الأجدر، إذن، أن يُشكر على موقفه المتعقّل؟ فلماذا هذا الإبعاد القاسي؟ ألم تكفِ كورسيكا؟ كان لا بد، إذن، من دفعه أبعد، نحو تلك الجزيرة في المحيط الهندي… حيث عاش هو نفسه عزلة لا ريونيون طوال عشرين عاماً. غمره شعور عميق بالتعاطف، ممزوج بالاحترام، تجاه ذلك السلطان المخلوع الذي لم ينحنِ حتى النهاية.
كان يعرف مدغشقر. مرّ بها ذهاباً وإياباً. وظلّت في ذاكرته كجزيرةٍ غريبة، مألوفة في آنٍ واحد: شاسعة تكاد تكون قارة، تتّسع لعالمٍ كامل، لكنها في الوقت ذاته قادرة على اجتثاث إنسانٍ وعزله، حبسه بلا أفق.
جزيرة أخرى تُضاف إلى جغرافيا النفي الطويلة. كان يعرف سكانها، بل وبعض حكّامها الذين التقاهم في لا ريونيون. وسرعان ما طفت جزيرة أخرى إلى ذاكرته، أقرب، أصغر: جزيرة 1926، لا ريونيون. أقلّ اتساعاً، تكاد تكون ضئيلة، لكنها خُصّصت للغرض ذاته: الإبعاد، العزل، الاحتواء. جزيرتان. جغرافيتان مختلفتان. ومنطق واحد.
ثلاثة أيام فقط استغرقها نقل السلطان من كورسيكا: غادر في 26 يناير ووصل في 30. هذا الرقم أربكه. هو نفسه احتاج إلى ما يقارب أربعين يوماً. رحلة بحرية بطيئة، تتخلّلها محطات. كانت كل موجة تعمّق المسافة، بين ضفّتين، بين حياتين. لا شيء فجائي، لا شيء حاد. كان الانفصال يتمدّد، يترسّب تدريجياً، حتى يلامس النسيان. كان المنفى يبدأ قبل الوصول.
أما بالنسبة للسلطان، فقد جرى كل شيء بسرعة خاطفة. حلّت الطائرة محلّ السفينة. في ساعات قليلة، اختُزل ما كانت تحمله أسابيع. عبور يكاد يكون غير واقعي. تلاشت الرحلة، لكن المسافة بقيت. وانكمش الزمن، فصار الاقتلاع أكثر حدّة وقسوة.
رأى في ذلك تناقضاً خفياً، يكاد يكون ساخراً. لكنه كان يعلم: لا المدّة ولا الوسيلة تغيّران جوهر المنفى. لا شيء يتغيّر. بحراً كان أم جوّاً، قريباً أم بعيداً، يبقى الفعل واحداً: اعتقال إنسان، انتزاعه من أهله، ودفعه إلى الهامش، حيث تفقد حياته معناها.
ظلّ عبد الكريم طويلاً ساكناً. نظره شاخص، دون أن يرى. ومن خلال منفى الآخر، تعرّف إلى منفاه هو. قصة واحدة، بأشكال مختلفة. وحدة في العزلة. وظلّت أسماء تلك الجزر، القاسية والبعيدة، لا ريونيون ومدغشقر، محفورة في ذاكرته: تذكيرٌ دائم. محنة واحدة. تاريخ واحد. منفَيَان. يفصل بينهما الزمن، وتربطهما جملة واحدة: الاستعمار الفرنسي.
الدكتور محمد لشقر مرابو
طنجة، 2026
نبذة عن الكاتب:
الدكتور محمد لشقر هو جرّاح بالتكوين. وُلد سنة 1950 بمدينة الحسيمة في منطقة الريف. في سنة 2010 نشر كتابه الأول «كربيس »، طريقي نحو الحقيقة والمغفرة»، الذي يصف فيه الجحيم الذي عاشه إلى جانب مئات المعتقلين الآخرين داخل أحد مراكز الاعتقال السرية في المغرب. وقد نُشر هذا الكتاب في فرنسا، ثم تُرجم إلى اللغة العربية سنة 2012.
وفي سنة 2015، أصدر كتابه الثاني «على درب المتمرّدين»، وهو عمل روائي ذو طابع سيرذاتي، يستعيد فيه أحداث انتفاضة الريف ما بين سنتي 1958 و1959. أما في سنة 2018، فقد نشر روايته الثالثة «هذه الحرب لم تكن حربنا»، التي تتناول مشاركة المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939).
ألّف عدة كتب تتمحور حول زعيم الريف محمد عبد الكريم الخطابي، من بينها «منفي موغادور» و »جيرترود أرنال، صندوق البريد الخاص ببن عبدالكريم في طنجة » وغيرها كثير.
يقيم الدكتور محمد لشقر حاليًا بمدينة طنجة، حيث يدير مصحة طبية جراحية



