المغرب..القرى تصنع القرار التنموي

ليست الأرقام وحدها ما يثير الانتباه في إعلان رصد 22.5 مليار دولار (210 مليارات درهم) للتنمية المجالية بالمغرب، بل الرؤية التي تقف خلفها. فالأمر لا يتعلق بمجرد ضخّ أموال في مشاريع متفرقة، بل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس في إعادة رسم خريطة العدالة المجالية المغربية، وإحياء الأمل في القرى والمناطق النائية التي ظلت لعقود على هامش النمو الاقتصادي، متمسكة بأمل يوم تشرق فيه شمس التنمية بهذه المناطق المترامية أطراف المغرب العميق.
210 مليارات درهم، ليست مجرد رقم في قانون مالية، بل رسالة سياسية وتنموية قوية مفادها أن المغرب اختار أن يجعل من التنمية القروية أولوية وطنية.
إنها خطوة في اتجاه مغرب متوازن، لا تُقاس فيه التنمية بعدد الأبراج في المدن، بل بعدد الابتسامات في القرى.
وحين تصل التنمية إلى آخر بيت في الجبل، وأبعد دوار في الصحراء، يمكن القول إن المغرب بدأ فعلاً يكتب فصلاً جديداً من تاريخه: فصلاً عنوانه الإنصاف المجالي والكرامة القروية.
هذا الرقم الضخم الذي أعلن عنه جلالة الملك محمد السادس في المجلس الوزاري الأخير بالرباط، ليس مجرد رقم ميزانية، بل إعلان عن تحول في فلسفة التنمية المحلية التي ستنتقل بالمغرب من مركزية القرار إلى محلية صنع القرار، ومن التركيز على المدن الكبرى إلى الرهان على القرى كمحرك جديد للنمو الوطني. فالمغرب، الذي قطع أشواطاً لافتة في تمكين البلاد من بنيات تحتية معاصرة، يبدو المغرب، اليوم عازماً على نقل التنمية إلى عمق التراب الوطني، حيث يعيش ملايين المواطنين الذين يشكلون العمود الفقري للاقتصاد الفلاحي والاجتماعي.
و لطالما كانت القرى المغربية عنواناً للتفاوتات المجالية، حيث يبرز ضعف البنيات التحتية، و محدودية فرص الشغل، وهجرة الشباب نحو المدن. لكن رصد هذا الغلاف المالي الضخم يفتح الباب أمام تحول نوعي في المشهد القروي، من خلال مشاريع الطرق والماء والكهرباء والتعليم والصحة، إلى جانب دعم الأنشطة المدرة للدخل وتمكين النساء والشباب من الاستقرار في القرى ومزاولة مهن تناسبهم وبالقرب من محلات سكناهم، مما سيخفف على المدن الكبرى ثقل تزايد الهجرة القروية.
إن التنمية القروية ليست مجرد بناء طرق أو قناطر، بل هي بناء الإنسان قبل المكان. فحين يجد الشاب في قريته فرصة للعمل، والمرأة فضاءً للإنتاج، والطفل مدرسة قريبة، يصبح الانتماء إلى الأرض خياراً لا اضطراراً. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الاستثمار الذي سيمكن من تحويل القرى من مناطق عبور إلى فضاءات استقرار وإنتاج.
رصد 210 مليارات درهم لا يعني فقط ضخّ المال، بل توجيهه بذكاء نحو المشاريع ذات الأثر المستدام. فالتنمية ليست في حجم الإنفاق، بل في جودة التدبير، و الرهان اليوم هو أن تتحول هذه الاعتمادات إلى مشاريع تنموية ملموسة تُحدث تطورا في حياة الناس و تبرز كرامة المواطن ورغد عيشه المستدام، لا إلى أرقام في التقارير.
وهنا يبرز دور الجماعات الترابية والمجتمع المدني في مواكبة التنفيذ وضمان الشفافية والمساءلة، حتى يشعر المواطن القروي أن التنمية ليست شعاراً يُرفع، بل واقعاً يُعاش.
إن هذا البرنامج الضخم، يعكس وعياً متزايداً بأن العدالة المجالية شرط أساسي للعدالة الاجتماعية. فالمغرب لا يمكن أن يحقق إقلاعه الاقتصادي، إذا ما ظلت بعض مناطقه تعيش خارج الزمن التنموي.
فالاستثمار في القرى هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي والأمن الغذائي والتوازن البيئي، وهو أيضاً استثمار في الإنسان المغربي الذي ظل لعقود يزرع الأمل رغم قسوة الظروف.



