حين تتحول السياسة إلى حلقة مغلقة: فاس بين نخب الأمس وانتظارات الغد

بقلم: الحسن سنداني
في مدينة بحجم وقيمة فاس، التي لطالما وُصفت بالعاصمة العلمية والرمزية للمغرب، يطرح سؤال النخبة السياسية نفسه بإلحاح غير مسبوق: لماذا تصر الأحزاب على إعادة تدوير نفس الوجوه، رغم تراجع الثقة وتنامي مطالب التغيير؟
الملاحظة لم تعد مجرد انطباع عابر لدى فئة من الشباب، بل تحولت إلى شعور عام يتقاسمه جزء واسع من المواطنين. فكلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، عادت نفس الأسماء إلى الواجهة، بنفس الخطاب تقريباً، وبنفس الحصيلة التي لا تُقنع أحداً. وهنا، لا يتعلق الأمر فقط بعمر الأشخاص، بل بنمط اشتغال سياسي تقليدي لم يعد قادراً على مواكبة تحولات المجتمع ولا انتظاراته.
إعادة إنتاج النخبة: أزمة داخل الأحزاب قبل أن تكون في المجتمع
تكشف هذه الظاهرة عن خلل عميق في البنية الداخلية للأحزاب. فبدل أن تكون فضاءً لتأطير الكفاءات وتجديد النخب، تحولت لدى البعض إلى دوائر مغلقة، تُدار بمنطق الولاء أكثر من الكفاءة. التزكيات، التي يفترض أن تُبنى على معايير الإنجاز والقرب من المواطن، أصبحت في كثير من الحالات رهينة توازنات داخلية أو حسابات انتخابية ضيقة.
هذا الواقع لا يُقصي فقط الشباب، بل يُفرغ العمل السياسي من معناه. إذ كيف يمكن إقناع مواطن بجدوى المشاركة، وهو يرى نفس الوجوه التي لم تقدم إضافة تُذكر، تعود مرة أخرى وكأن شيئاً لم يكن؟
فاس: إمكانات كبيرة… وتمثيلية دون الطموح
في فاس، المدينة التي تزخر بطاقات شبابية متعلمة ومبادِرة، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً. فبين جامعاتها، ومجتمعها المدني، ومشاريعها الناشئة، توجد كفاءات قادرة على ضخ نفس جديد في تدبير الشأن العام. غير أن هذه الكفاءات غالباً ما تصطدم بجدار “الفرص المغلقة”، حيث لا يُفسح المجال إلا لمن اعتادوا التواجد في المشهد.
والنتيجة؟ فجوة متزايدة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، تُترجم في نسب مشاركة ضعيفة، وفي خطاب عام يتسم بالسخرية أو اللامبالاة تجاه السياسة.
من المسؤول عن العزوف؟
تحميل المواطن وحده مسؤولية العزوف الانتخابي أصبح طرحاً متجاوزاً. فالعزوف، في جزء كبير منه، هو رد فعل على ممارسات سياسية لا تُشجع على الثقة. حين تغيب المحاسبة، وتضعف الشفافية، وتُعاد نفس التجارب دون تقييم حقيقي، يصبح الابتعاد عن السياسة خياراً مفهوماً، وإن كان مكلفاً للمجتمع ككل.
الرهان الحقيقي: تجديد النخب لا تجميل الواجهة
إن الدعوات المتكررة إلى تجديد النخب، والتي يرددها أيضاً الخطاب الرسمي، لا يمكن أن تتحقق دون إرادة حزبية حقيقية. فالتجديد لا يعني فقط إدخال أسماء شابة في اللوائح، بل إعادة النظر في طريقة اختيار المرشحين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفتح المجال أمام الكفاءة بدل تكريس الريع السياسي.
فاس اليوم ليست في حاجة إلى شعارات إضافية، بل إلى نخب تُنصت، تُبدع، وتُنجز. نخب قادرة على استعادة ثقة المواطن، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي كأداة لخدمة الصالح العام، لا كوسيلة لإعادة إنتاج نفس الوجوه.
خلاصة القول
ما يحدث ليس مجرد خلل عابر، بل مؤشر على أزمة ثقة عميقة بين المواطن والفاعل السياسي. وإذا لم تُبادر الأحزاب إلى مراجعة اختياراتها، فإن الفجوة مرشحة لمزيد من الاتساع، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على حيوية المشهد الديمقراطي.
التغيير لم يعد مطلباً نخبوياً، بل ضرورة مجتمعية. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل تملك الأحزاب الجرأة لتجديد نفسها، أم ستستمر في الدوران داخل نفس الحلقة المغلقة؟



