Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

حين تتحول السياسة إلى مسرح أدوار: من يقود الأحزاب… ومن يخدع من؟

بقلم: الحسن سنداني

في مشهد يزداد غرابة يومًا بعد يوم، لم تعد السياسة في المغرب ساحة لتدبير الشأن العام بقدر ما أصبحت عرضًا مفتوحًا تتعدد فيه الأقنعة وتتناقض فيه الأدوار.

هنا زعيم يصرخ بدل أن يُقنع، وهناك مسؤول يعد بمستقبل مشرق وكأنه وُلد خارج كل تحالف حكومي سابق، وبينهما “منقذ” يبيع الأوهام و”منتصر” يحتفل بإنجازات لا يراها أحد. أما الحقيقة، فهي تُدفع إلى الهامش، حيث يقف المواطن متفرجًا، يحاول أن يفهم: هل نحن أمام ممارسة سياسية حقيقية… أم مجرد مسرحية تتكرر فصولها مع كل مرحلة؟
في المشهد الحالي، يمكن رصد عدة أنماط من القيادات الحزبية. هناك من اختار أسلوب المواجهة بالصراخ والشتم، وكأن السياسة حلبة صراع شخصي لا فضاءً للنقاش العمومي الرصين. هذا السلوك لا يعكس قوة بقدر ما يكشف عجزًا عن الإقناع بالحجة والبرنامج.

في المقابل، يظهر نموذج آخر يرتدي قناع “الوعود الجديدة”، يَعِد بحياة أفضل وكأنه لم يكن جزءًا من حكومات أو تحالفات سابقة صمتت حين كان المواطن يواجه موجات الغلاء والقرارات غير الشعبية. هنا يبرز سؤال الذاكرة السياسية: هل يُراهن الفاعل الحزبي على نسيان المواطن أم على ضعف مساءلته؟
ثم هناك من يقدم نفسه في صورة “المنقذ”، يركب خطابًا عاطفيًا مفعمًا بالأحلام الوردية، دون سند واقعي أو تصور قابل للتنفيذ. هذا النمط يستثمر في الأمل أكثر مما يستثمر في الحلول، ويغذي ثقافة الانتظار بدل ثقافة الفعل. وعلى الجانب الآخر، نجد من يحتفل بـ“انتصارات” لا يراها إلا هو، ويعيد تسويق حصيلة باهتة على أنها إنجازات كبرى، في انفصال واضح عن نبض الشارع.


الأكثر إثارة للجدل هو تبرير ممارسات مثل “توريث المقاعد” أو إعادة إنتاج نفس الوجوه، بدعوى أنها ظاهرة موجودة في قطاعات أخرى. هذا المنطق لا يبرر الخلل بل يكرّسه، لأنه ينقل السياسة من فضاء التنافس الديمقراطي إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج نفسها. وفي الخلفية، هناك فئة اختارت الصمت أو الاختفاء، إما هروبًا من النقد أو انتظارًا لنصيب من الامتيازات، في حين يختزل البعض العمل السياسي في الاستفادة من الدعم والامتيازات بدل خدمة الصالح العام.
ولا يمكن إغفال فئة “الهواة السياسيين” الذين يدخلون الحلبة دون تكوين أو تجربة، فيتعلمون السياسة على حساب المجتمع، وأحيانًا في “مدرسة النفاق” حيث تُقدّم المصلحة الشخصية على القيم والمبادئ. وسط كل هذا الضجيج، تضيع الأصوات القليلة التي ما تزال ترى في السياسة التزامًا أخلاقيًا ومسؤولية وطنية.


الخلاصة أن الأزمة ليست فقط أزمة أشخاص، بل أزمة ثقافة سياسية كاملة: غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة، ضعف الديمقراطية الداخلية، هيمنة الحسابات الضيقة، وانفصال الخطاب عن الواقع. لذلك، فإن استعادة الثقة لن تتم عبر تغيير الوجوه أو تكثيف الشعارات، بل عبر إعادة بناء الفعل الحزبي على أسس واضحة: الصدق مع المواطن، الجرأة في الاعتراف بالأخطاء، تقديم برامج قابلة للتنفيذ، وفتح المجال أمام كفاءات جديدة تحمل همّ الوطن لا همّ الموقع.
دون ذلك، سيبقى المشهد يدور في نفس الحلقة: خطابات تتغير، وأدوار تتبدل، لكن النتيجة واحدة… مواطن يزداد بعدًا عن السياسة، وحقل حزبي يفقد معناه تدريجيًا.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button