Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

أثر الخطى.. وذاكرة الرمل المثقوبة


بقلم : ديمة الشريف – السعودية
بينما نمعن النظر في دروب الحياة، نجد أننا لسنا سوى عابرين في صحراء شاسعة من الزمن. “خطواتنا أقدامنا على الرمل تمحو هب الريح”؛ ليست هذه مجرد صورة بصرية عابرة، بل هي فلسفة الوجود في أوج تجليها. إنها تضعنا وجهاً لوجه أمام حقيقة “الهشاشة الإنسانية” أمام جبروت الطبيعة والنسيان.
الرمل: مرآة الزمن الصامتة
الرمل، ببروده ليلاً ووهجه نهاراً، هو الشاهد الصامت على رحلتنا. إنه مادة مراوغة؛ لا يقبل القيد ولا يحفظ العهد. عندما نغرس أقدامنا فيه، نعتقد لبرهة أننا تركنا علامة، أننا أثبتنا حضورنا في هذا المكان. لكن الرمل لا يملك ذاكرة، أو ربما هو يملك كبرياءً يمنعه من الاحتفاظ بأسرار العابرين. كل خطوة نخطوها هي بمثابة صرخة مكتومة في وجه العدم، محاولة بائسة للقول: “لقد كنتُ هنا”.
هبوب الريح: يد المحو الحتمية
تأتي الريح لتلعب دور “المطهر” أو “الممحاة”. إنها القوة التي تذكرنا بأن لا شيء يدوم. الريح لا تملك ضغينة ضد خطواتنا، لكنها تمارس طبيعتها في إعادة ترتيب الفوضى، وتسطيح التعرجات التي أحدثها مرورنا. في هبّة واحدة، تعود الصحراء إلى بكارتها الأولى، كأن قدماً لم تطأها، وكأن حكاية لم تُروَ فوق ذراتها. هذا المحو ليس عقاباً، بل هو قانون الوجود الذي يرفض السكون؛ فالزمن لا ينتظر المتوقفين، والمسارات يجب أن تُخلى للعابرين الجدد.
صراع الأثر والنسيان
لماذا نصرّ على السير إذا كان المحو هو المصير؟ هنا تكمن عظمة الإنسان. نحن نسير لا لنخلد في الرمل، بل لنحقق المعنى في الرحلة ذاتها. إن الخطوة التي تمحوها الريح تظل محفورة في وجدان السائر، وفي روح الطريق. الأثر الحقيقي ليس في تجويف القدم على الرمل، بل في “الوجهة” التي قصدناها، وفي “الصبر” الذي تطلبه الطريق.
إن الريح التي تمحو الخطوات لا تستطيع محو “إرادة المسير”. قد تختفي آثار أقدامنا، لكن الأفق الذي اتجهنا نحوه يظل شاهداً على أننا لم نكن مجرد أشباح تمر في صمت، بل أرواحاً كانت تبحث عن غاية ما، وراء تلال الرمال المتحركة.
الخلاصة: خلود الروح لا خلود المادة
في نهاية المطاف، “خطواتنا” هي أفعالنا، و”الرمل” هو الحياة الدنيا، و”الريح” هي تقلبات الدهر وغبار النسيان. لكي لا نكون مجرد ذكرى يمحوها الهباء، علينا أن نترك أثراً في القلوب والعقول، لا في مادة زائلة. فالريح التي تمحو الخطى عن الرمال، هي نفسها التي تنقل بذور الخير من أرض إلى أرض لتبت فيها حياة جديدة.

كن عابراً يترك خلفه عبيراً لا يُمحى، حتى وإن انطوت تحت التراب معالم الطريق.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button