أخبارإفريقياالرئيسية

أدركوا مالي قبل فوات الأوان

أ.د.على أحمد جاد بدر – أستاذ العلوم السياسية

لم تعد التطورات الجارية في جمهورية مالي مجرد اضطرابات أمنية عابرة، بل تحوّلت إلى مؤشر خطير على إعادة تشكيل موازين القوة في منطقة الساحل الأفريقي، فالتقاطع المتنامي بين الحركات المسلحة ذات الخلفيات العرقية، وعلى رأسها الطوارق، وبين التنظيمات الاسلاماوية، يطرح التساؤلات العميقة حول طبيعة الصراع وحدوده، بل ومستقبله الاقليمي والدولي.

وتاريخياً شكّل الطوارق مكوّناً إثنياً يسعى إلى الحكم الذاتي في شمال مالي، خاصة في اقليم أزواد، وقد خاضت حركاتهم تمردات متكررة ضد السلطة المركزية، وكان أبرزها ما أعقب ثورة الطوارق 2012م في مالي، حيث تمكنت فصائل طوارقية من السيطرة على مساحات واسعة من الشمال، غير أن هذا المشهد سرعان ما تعقّد مع دخول التنظيمات الاسلاماوية على خط الصراع، مستفيدة من هشاشة الدولة، واتساع الفراغ الأمني.

ومن بين أبرز هذه التنظيمات، يبرز تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي، الذي استطاع بناء شبكات التحالف المرنة مع بعض الفصائل المحلية، إضافة إلى جماعة نصرة الاسلام والمسلمين، التي تمثل مظلة لعدة تنظيمات متشددة تنشط في المنطقة، وهذه التنظيمات لم تكتفِ بالعمل العسكري، بل سعت إلى توظيف المظالم المحلية، والبعد القبلي، لتوسيع نفوذها.

وأخطر ما في المشهد الحالي هو هذا التآلف البراغماتي بين بعض الفصائل الطوارقية والتنظيمات الاسلاماوية، فهو ليس تحالفاً أيديولوجياً بالضرورة، بل تقاطع مصالح مؤقت: فالطوارق يبحثون عن النفوذ السياسي والميداني، والتنظيمات الاسلاماوية تبحث عن الحواضن الاجتماعية والغطاء المحلي، ولكن النتيجة في الحالتين واحدة: تقويض الدولة، وتعميق الفوضى.

وهذا التداخل أنتج واقعاً أمنياً شديد التعقيد، حيث لم يعد من السهل التمييز بين الصراع الانفصالي والصراع الجهادي، وهو ما يضع الدولة المالية أمام تحدٍ مركّب: هل تواجه تمرداً عرقياً أم حرباً على الارهاب؟ أم كليهما معاً؟ وهنا يكمن جوهر الأزمة.

واقليمياً تمتد تداعيات هذا الوضع إلى دول الجوار، خاصة النيجر وبوركينا فاسو، اللتين تعانيان بدورهما من تصاعد نشاط الجماعات المسلحة، كما أن هشاشة الحدود في منطقة الساحل تجعل من السهل انتقال المقاتلين والسلاح، مما يحوّل الأزمة من شأن داخلي إلى تهديد اقليمي واسع.

وأما دولياً فقد شهدت مالي تحولات لافتة، خاصة بعد تراجع الدور الفرنسي عقب انسحاب القوات الفرنسية من مالي، وصعود أدوار فاعلين جدد، وهذا التحول خلق فراغاً نسبياً في إدارة الملف الأمني، استغلته التنظيمات المسلحة لتعزيز مواقعها. والرسالة التي يجب أن تُفهم بوضوح هي أن ما يحدث في مالي ليس معزولاً عن السياق الدولي الأوسع، فالساحل الافريقي بات ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ، وممراً لتهديدات عابرة للحدود، تشمل الارهاب، والهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة.

ومن هنا فإن إدراك مالي قبل فوات الأوان لا يعني فقط التحرك العسكري، بل يتطلب مقاربة شاملة تتمثل في إعادة بناء الدولة، معالجة المظالم المحلية، دمج المكونات العرقية في المشروع الوطني الجامع، وتجفيف منابع التطرف فكرياً واقتصادياً.

لإن ترك الأمور لتتفاقم سيؤدي إلى السيناريو الأكثر خطورة حيث تحوّل شمال مالي إلى نموذج دائم للفوضى، شبيه ببؤر الصراع الأخرى في العالم، وعندها لن تكون التداعيات محصورة في افريقيا، بل ستمتد إلى دوائر أوسع، تمس الأمن الدولي بأكمله.وتبقى الحقيقة الأهم:الدول لا تسقط فجأة، بل تتآكل تدريجياً… حتى يأتي اليوم الذي يصبح فيه الانقاذ متأخراً.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button