Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

اغتراب الروح في أروقة “المكاتب”..حين يصبح العمل قيداً من ذهب

بقلم : ديمة الشريف- السعودية
لم يكن “الاحتراق الوظيفي” يوماً مجرد مصطلح عابر في كتب الإدارة، بل هو صرخة صامتة تنبعث من رماد الأحلام التي كانت يوماً متقدة. هو ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه، لا لتمسك بخيوط الشمس وتنسج منها نجاحاً جديداً، بل لتقرع أجراس الالتزام الثقيلة، وتمضي بجسدك نحو مكانٍ غادرته روحك منذ زمن.
أن تفقد شغفك للعمل، يعني أنك تمارس “الزيف” بأرقى صوره؛ تبتسم للزملاء، تفتح بريدك الإلكتروني، وتنجز المهام بدقة “الروبوت”، بينما بداخلك غابة محترقة لا يسكنها إلا السكون. هنا، يتحول الراتب الشهري من وسيلة للرفاهية إلى “ثمنٍ” لبيع ساعات العمر، وتصبح الوظيفة مجرد جسر متهالك تعبره كل يوم نحو البقاء، لا نحو الارتقاء.
لكن، وبالرغم من هذا الانطفاء، يبرز صوت العقل وسط ضجيج الإحباط والقلق. ذلك الصوت الذي يهمس في أذنك: “لا تترك السفينة في عرض البحر لمجرد أن المحرك قد تعب”. إن الخوف من البطالة ليس جبناً، بل هو ذكاء الناجي. فالفراغ الذي يلي الاستقالة المتسرعة قد يكون ثقباً أسود يلتهم ما تبقى من توازنك النفسي، ومحاربة “العوز” معركة شرسة لا ترحم المنهكين.
إن الحكمة تقتضي أن تجعل من وظيفتك الحالية -رغم ثقلها- “ممولاً” لمشروعك القادم، أو “مختبراً” تطور فيه مهاراتك بصمت. استثمر الوقت الذي تقضيه بين الأوراق والشاشات في بناء حصنك الداخلي؛ تعلم لغة جديدة، اتقن مهارة تقنية، أو ارسم ملامح طريقك الخاص. اجعل من تعبك “استثماراً” وليس “استنزافاً”.
الاحتراق ليس نهاية الطريق، بل هو إشارة “توقف” إجبارية لمراجعة الاتجاهات. لا تستقيل بجسدك قبل أن تؤمّن لروحك ملاذاً أجمل، واعلم أن المهارة التي تصقلها اليوم في ذروة إحباطك، هي ذاتها التي ستكون مفتاحك لغدٍ يشبهك، غدٍ لا تذهب فيه للعمل من أجل المال فحسب، بل من أجل أن تعيش فعلاً.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button