Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

فلسفة الرماد.. حين تكون “الكعكة المحترقة” بداية الطريق

بقلم : ديمة الشريف – السعودية
في زوايا المطابخ الضيقة، كما في دهاليز الحياة الواسعة، ثمة دروسٌ تُكتب بالحرارة لا بالحبر. وحين تقول الكاتبة ديمة الشريف: “لقد احترقت الكعكة التي صنعت”، فإنها لا تعلن عن فشلِ وجبة، بل توثق لحظةً إنسانية فارقة؛ لحظة الاعتراف بأننا، برغم اجتهادنا، قد نفقد السيطرة على “النار” التي تطهو أيامنا.
النار العالية.. والغياب عن “الفرن”
الحياة هي ذاك “الفرن” الذي نضع فيه أحلامنا، وأجسادنا، وعلاقاتنا. فإذا ما استسلمنا لنار الغضب أو الاندفاع أو حتى نيران الاكتئابالمشتعلة، احترقت الروح قبل أن تنضج. وإن نحن “غِبنا” عن مراقبة ذواتنا، وانشغلنا عن احتياجات أجسادنا —كإهمال الرياضة أو الغذاء المتوازن— وجدنا أنفسنا أمام نتائج متفحمة لا تُشبه ما رسمناه في مخيلتنا. إن “الاحتراق” ليس قدراً محتوماً، بل هو أحياناً نتيجة لعدم إدراكنا لتوقيت التراجع، أو حاجتنا للبقاء قريبين من مكامن قوتنا.
التعلم تحت وطأة “الفشل”
تلك الفتيات اللواتي لا يُجدن فن الطهو ويتعلمن بعد الزواج طبقاً جديداً كل يوم، يمثلن الإرادة الإنسانية في أسمى صورها. هنَّ يخبرننا أن “عدم المعرفة” ليس وصمة عار، بل هو مساحة بيضاء للنمو. قد تحترق الكعكة الأولى، وقد تتعثر خطواتنا الأولى على “سير المشي”، وقد يبدو وزننا أو مزاجنا في أسوأ حالاته، لكنَّ “النضج” الحقيقي لا يأتي إلا من رائحة الاحتراق تلك؛ فهي التي تعلمنا كيف نضبط درجات الحرارة في المرات القادمة.
ارتباط الروح بالجسد: من المطبخ إلى “سير الحياة”
حين نسعى لحرق السعرات الحرارية أو نتناول “الكمون بالزبادي” سعياً للصحة، نحن في الحقيقة نقوم بعملية “ترميم” لكعكة حياتنا التي أهملناها طويلاً. الاكتئاب يحاول دائماً إقناعنا بأن “الفرن مطفأ” وأن لا جدوى من المحاولة، ولكنَّ الحركة البسيطة، والدعاء الصادق للراحلين، والصدقة التي نخرجها بنية الشفاء، هي الوقود الذي يحول الرماد إلى نور.
الميتُ يشعر.. والحيُّ يجاهد
وإذا كان الراحلون في “دار الحق” ينظرون إلينا، فماذا يودون أن يروْا؟ هل يسعدهم أن يروا “كعكة حياتنا” محترقة باليأس؟ يقينًا لا. إنهم يشعرون بالحيّ حين ينهض من عثرته، وحين ينفض غبار الحزن عن كاهله ليجري في مناكب الأرض. إن برّنا بهم يتجسد في نجاحنا، وفي قدرتنا على تحويل “خيباتنا المحترقة” إلى وصفات جديدة للحياة، مليئة بالصبر والرضا.
خاتمة: الوصفة التي لا تخيب
إننا جميعاً، في مرحلة ما، سنقف أمام فرن الحياة لنخرج “كعكةً محترقة”. قد يكون حزناً على غائب، أو فشلاً في هدف، أو تراجعاً في صحة. لكن السر لا يكمن في جودة الكعكة فحسب، بل في تلك “المريلة” التي نرفض خلعها، وفي إصرارنا على الوقوف أمام الفرن مرة أخرى، بقلبٍ أكثر حكمة، ويدٍ أكثر مهارة، وروّحٍ لا تنطفئ نارها مهما اشتدت الرياح.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button