Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

بين مطرقة الرغبة وسندان القدر


بقلم : ديمة الشريف – السعودية
حين تصوغنا الدروب التي لم نخترهايولد الإنسان ومعه ريشة خيالٍ لا تهدأ، يقضي شطراً من عمره وهو يرسم على جدران الغيب خرائط لغده.
نخطط للحياة كما نرغب، ونشيد في أذهاننا مدناً من الضوء، ونمهد دروباً مفروشة بالياسمين
ظناً منا أننا مهندسو هذا الكون الصغير.
لكننا وفي لحظة مباغتة، نجد أنفسنا نقف على مفترق طرق لم نرسمه، ونُساق إلى مسالك مجهولة لم تكن يوماً ضمن حساباتنا .
هناك تبدأ الرحلة الحقيقية
وهناك ينكشف الفرق بين “ما نريد” و “ما يُراد لنا”.
سراب التخطيط ويقظة الواقع نتشبث بخططنا كأنها طوق نجاة، ونرى في انحرافنا عن “المسار المعهود” كارثة كبرى.
لكن التأمل في فلسفة الحياة يخبرنا أن أجمل فصول حياتنا لم تُكتب بأقلامنا.
إن “حكمة القدر” ليست مجرد مواساة للمنكسرين، بل هي قانون كوني يضعنا في اختبارات لم نطلبها لنكتشف معادن لم نكن نعرف أننا نمتلكها.
فالياسمين الذي حلمنا به قد يذبل سريعاً، أما الشوك في الطرق الوعرة، فهو الذي يعلّم أقدامنا كيف تثبت، وعقولنا كيف تبتكر، وأرواحنا كيف تصمد.
في المسالك المجهولة تنضج الأرواح
ماذا نُساق إلى ما لا نهوى؟
ربما لأن في “الطرق الأخرى” يكمن الخير الذي لم ندركه بوعينا القاصر.
فالنضج لا يولد في الرفاهية، بل يُنحت في صخر المعاناة والدهشة. تلك المسالك المجهولة هي مختبرات النفس؛ فيها نتعلم أن القوة ليست في الوصول إلى ما خططنا له، بل في كيفية التعامل مع ما لم نكن نتوقعه. إنها رحلة “إعادة اكتشاف الذات”، حيث نكتشف أننا أكثر مرونة مما ظننا، وأعمق صبراً مما تخيلنا.
فلسفة الصناعة لا الرغبةالحياة، في جوهرها، ليست قائمة من الأمنيات المحققة، بل هي “ما نصنعه نحن” في كل زقاق ضيق نجد أنفسنا فيه. الطريق الإجباري ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لقصة جديدة.
المرء لا يختار الريح، لكنه يملك توجيه الشراع.
فإذا سُقنا إلى طريق لا نعرف مصيره، فإن دورنا لا يتوقف عند الندب على الأطلال، بل يبدأ في غرس الورود في هذا الطريق الجديد، وتحويل العثرات إلى جسور للعبور.
الاستسلام الجميل
وهو ليس خضوعاً أو عجزاً، بل هو ثقة مطلقة بأن يد القدر التي أغلقت باباً، قد فتحت في الوقت نفسه آفاقاً أرحب لم تكن لتُرى لولا ذلك الإغلاق. قد لا تكون النهايات كما اشتهينا في البداية، لكنها بلا شك ستكون كما احتجنا لكي نكتمل.
في نهاية المطاف، سنكتشف أن الطرق التي خشيناها كانت هي الأقصر للوصول إلى ذواتنا، وأن “دروب الياسمين” التي تمنيناها لم تكن سوى محطات عابرة، بينما
“الطرق التي لم نعرفها” هي التي صنعت منا ما نحن عليه الآن.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button