
بقلم: ابن حمدون القراص
لقد علمني مكر الزمن وتقلبات الأحداث، أن الانتماء إلى اليسار ليس صك غفران يمنح صاحبه العصمة من الزلل، كما أن إعلان المواقف الحنجرية ضد الفساد والمفسدين لا يكفي لإثبات النزاهة. إن الصراخ بإدانة ناهبي المال العام في المحافل والندوات، صار في زمننا هذا بضاعة كاسدة يُحسن الكثيرون عرضها بينما تمتد أيديهم في الخفاء إلى جيوب الشعب.
كثيرون ممن عرفناهم في خنادق النضال اليساري، والاتحاديون هنا يمثلون الحالة الدراسية الأبرز، تحولوا من خانة المقاومة إلى خانة النهب، بمجرد أن وُضعوا أمام اختبار المال والجاه.. لقد أظهر هؤلاء ضعفا إنسانيا وأخلاقيا مخزيا أمام الامتيازات، وكأن عقود النضال كانت مجرد فترة انتظار في محطة الوصول إلى المكاسب الشخصية.
إنها واحدة من أكبر المفارقات المؤلمة في تاريخ العمل السياسي ببلادنا، فكثير من هؤلاء المناضلين لم يجدوا غضاضة في الاستيلاء على حسابات وعقارات حزبية كانت مسجلة بأسمائهم الشخصية. ولم تكن تلك العقارات هبة لهم، بل كانت تدبيرا احترازيا لجأ إليه الحزب في سنوات الرصاص والقمع، اتقاء لبطش السلطة ومصادرة الممتلكات… فإذا بهؤلاء “الأمناء” يحولون الأمانة الحزبية إلى ملكية خاصة، متنكرين لتاريخ كامل من التضحيات الجماعية…
ولم يتوقف العبث عند حدود التنظيم الحزبي، بل امتدت الأيادي العابثة إلى مالية المطبعة والجريدة مع النقابات والجمعيات الجماهيرية التي كانوا يتولون تسييرها.. ولعل الفضائح التي لاحقت ولا تزال مؤسسات عريقة مثل منظمة التضامن الجامعي تظل الشاهد الأكبر على هذا الانحدار… كيف لمؤتمن على حقوق المستضعفين أن يتحول إلى سمسار يتاجر بآمالهم؟ وكيف لمن يرفع شعار العدالة الاجتماعية أن يراكم الثروة من فتات اشتراكات أسرة التعليم؟
يكفي المتأمل اليوم أن يلقي نظرةً فاحصة على مسارات اتحاديين بدؤوا رحلتهم المهنية معلمين بسطاء في القرى والمداشر، يتأبطون همَّ الوعي ويبشرون بالتغيير، لينتهوا فجأة في عداد البرجوازية العقارية الهجينة.. هؤلاء الذين لَقَّنوا الناس دروس القناعة والزهد، استحالوا إلى كبار ملّاك العقارات الفاخرة في الحواضر الكبرى.. من الدار البيضاء ومراكش إلى مكناس، بل وامتدت أطماعهم لتطال المتروبولات الأوروبية في فرنسا وإسبانيا…
وفي مفارقة صارخة حرص هؤلاء على تأمين مستقبل أبنائهم في أرقى الجامعات الدولية بالخارج، بعيدا عن حطام المدرسة العمومية التي لم تكن في خطبهم النارية سوى شعار للاستهلاك وتأثيث للمنصات.
إنهم يبرعون في صياغة مذكرات ممعنة في الأنا، تبدأ فصولها دائما بفعل كنتُ: “كنتُ مناضلا”.. “كنتُ في طليعة المسيرات”.. “كنتُ مطاردا بالهواجس والمنافي”… وهم في حقيقة الأمر قد استداروا عن جوهر الحقيقة بزاوية منفرجة بلغت 180 درجة.. إذ لا يعدو نفخهم في صورهم الماضية كونه محاولة بائسة لمواراة سوءات حاضر ملطخ بالاستفادة والريع ومراكمة الغنائم.
وقد يُصاب المرء بذهول صاعق حين تنكشف له حقيقة ذاك المدعي الذي لا يتورع عن كيل الاتهامات الثقيلة للحزب بخيانة الأمانة والزيغ عن مبادئ المؤسسين، ولا يكفُّ عن لعن ناهبي المال العام ولصوص الصناديق، بينما هو في حيز الواقع اللص الأكبر لو جهر بالحقيقة… وصدق فيهم قول بشار بن برد:
[يُعطيكَ من طَرَفِ اللِّسانِ حلاوةً … ويَروغُ منكَ كما يَروغُ الثَّعْلَبُ]
في هذا السياق، يبرز الذكاء المخزني الذي يتقن قراءة الضعف البشري… إن السلطة في هذا البلد الأمين تدرك جيدا أن هؤلاء المخلوقات العجيبة لديهم ثمن محدد… فما بالك بمن يسيل لعابهم أمام رشاوي المؤسسات المنتخبة والمناصب في المجالس الاستشارية؟
لقد أدرك النظام أن هؤلاء مستعدون لبيع كل شيء من أجل الكسب والتربح، ففتح لهم أبواب المخزن ليغرقوا في بركه الآسنة، وبذلك يتم تحييد خطرهم النضالي وتحويلهم إلى مجرد أدوات تلميع.
إن المخزن ليس مراقبا عاديا، بل هو مخترق لهذه التنظيمات حتى النخاع، يعرف أين تُخفى الملفات، ومتى يُشهر ورقة الفساد لتقليم أظافر من يزعمون أنهم أنقياء وأتقياء وأخيار… وعندما يتم ضبط سرقة أو نهب أو ارتشاء من طرف عضو بارز، نرى مسرحية لملمة الفضيحة.. حيث تهرع القيادة للتغطية على المناضل اللص حفاظا على السمعة، وفي أحسن الأحوال يُجمد العضو أو يُبعد، وكأن القضية سوء تفاهم مالي وليست خيانة لمبادئ شعب …
إن هذا السلوك يذكرنا بمنطق المؤسسات البنكية التي تكتشف اختلاسات موظفيها.. فهي تفضل فصلهم بهدوء دون إحالتهم على القضاء، ليس رحمة بهم، بل خوفا على سمعة البنك ومنعا لهروب المودعين والزبائن…
هكذا صار الحزب يتصرف بعقلية المقاولة التي تخاف على العلامة التجارية أكثر مما تخاف على نظافة ذمتها المالية.
إن التواطؤ يصل أحيانا إلى درجة التقاسم.. فبعض الفاسدين لا يترددون في تقاسم الغنيمة مع رؤوس الهرم الحزبي لضمان الصمت والحماية، وبذلك يُغلق الملف تحت شعار “عفا الله عما سلف”، ويستمر العبث تحت مسميات الواقعية السياسية أو الحفاظ على تماسك البيت الداخلي…
إن ما نشهده اليوم ليس بدعا من الأمر، بل هو امتداد لنهجٍ تاريخي وظّف فيه المخزن ثقوب الفساد كأداة ناجعة للإخضاع السياسي منذ نهاية الثمانينيات.. ففي تلك الحقبة، ضُبطت تلاعبات ضريبية ومالية جسيمة في مطبعة دار النشر المغربية التابعة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وكانت تلك السقطة هدية من السماء للنظام.. إذ استغلها لتقليم أظافر المعارضة التي كانت لا تزال تتمتع بشعبية جارفة.. وهكذا أُحكمت فخاخ الابتزاز حول عنق القيادة الحزبية، وزُج بمدير المطبعة (سعيد البوري) في غياهب السجن ليكون كبش فداء في مقايضة سياسية كبرى… وما أن تحقق الانبطاح التام، وأُتمت فصول الإخضاع، حتى أُطلق سراح المدير بعد عام من الاعتقال دون أن يرى وجه المحكمة.. إذ لم يكن الغرض إحقاق عدالة بل تطويع إرادة.
لكن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في اللعبة السياسية، بل في تلك الوجوه التي يدّعي أصحابها الأمانة وهم أبعد ما يكونون عنها… فكيف يمكن المراهنة على أمثال هؤلاء لتسيير مؤسسات البلاد وترشيد مقدراتها، وهم الذين أذاقوا عمال مطبعتهم مرارة الجوع والحرمان؟ لقد تجرأوا على لقمة عيش الكادحين، فامتنعوا عن أداء الأجور، وبتروا الرواتب إلى النصف، كل ذلك تحت ستار زائف من التضحية النضالية الواجبة!
وتزداد الصورة قتامةً حين نعلم أن من بين هؤلاء العمال المقهورين مناضلون أفنوا زهرة شبابهم وراء القضبان، بل إن أحدهم (عبد الله المالكي) كان محكوما بالإعدام ونجا من حبل المشنقة بمعجزة، ليجد نفسه في نهاية المطاف ضحيةً لرفاق الدرب الذين استغلوا تضحياته ليراكموا هم الثروات، بينما يُحرم هو حتى من أجره الزهيد.. إنها قمة المأساة: أن ينجو المناضل من بطش الجلاد، ليسقط صريعاً أمام جشع الرفيق..
إن الاستمرار في المراهنة على هؤلاء التجار هو نوع من الحماقة التاريخية… هؤلاء الذين خانوا شرف الكلمة أمام الشباب الحالم بالتغيير، والذين تحولوا إلى أشباح تطاردها فضائح العقارات والأرصدة، لن يكونوا يوما قادة لتحول ديمقراطي… إن حب الذات عندهم تحول إلى مرض التملق، وكلاهما لا يستحق المدح.
لقد خسر هؤلاء شرف الكلمة، وأصيبوا باكتئاب حاد خلف جدران شققهم الفاخرة، بعد أن اكتشفوا أن المال لا يمنح الاحترام التاريخي. إنهم سجناء كهوفهم الخاصة، لا يفكرون إلا في قواهم الإنتاجية الشخصية، ضاربين عرض الحائط بكل الشعارات التي بنوا عليها مجدهم الزائف… ولعل هذا الفساد الداخلي هو السر الحقيقي وراء فشل التغيير في بلدنا، حيث يتم وأد الأمل ليس بيد الخصوم فحسب، بل بيد الرفاق الذين خانوا الملح والطعام والنضال.



