أخبارالرئيسيةكلام والسلام

الدبلوماسية الرياضية و دبلوماسية تافوغالت الصامتة

في مدينة بركان، تلك اللؤلؤة الشرقية التي تتكئ على سفوح جبال تافوغالت وتتنفس عبق المتوسط، انعقد المؤتمر الدولي حول “الدبلوماسية الرياضية” الذي نظمه المركز الأفرو متوسطي للتفكير و الدراسات القانونية و السوسيو الاقتصادية و مختبر الدراسات الرقمية و الاستراتيجية و العلوم الإدارية و المالية و جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، بمشاركة نخبة من الباحثين الجامعيين و ثلة من الخبراء الاكاديميين و الإعلاميين من مختلف دول العالم. في مشهد يختزل تلاقي الفكر بالحركة، والسياسة بالروح الرياضية. كانت مشاركتي في هذا الحدث أكثر من مجرد حضور أكاديمي أو مهني؛ كانت تجربة إنسانية عميقة، تفتح الأفق أمام فهم جديد للدبلوماسية، لا كأداة تفاوض فحسب، بل كجسر للتواصل بين الشعوب عبر لغة الرياضة التي لا تحتاج إلى ترجمان.

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن بركان لم تُختر صدفة لاحتضان هذا المؤتمر. فهذه المدينة التي أنجبت أبطالاً رياضيين رفعوا راية المغرب في المحافل الدولية، تعرف جيداً معنى أن تكون الرياضة رسالة سلام وتفاهم. في القاعة الكبرى بأكاديمية النهضة البركانية التي جمعت خبراء من مختلف القارات، وإعلاميين من مدارس فكرية متعددة، كان النقاش يدور حول كيف يمكن للرياضة أن تُعيد تعريف العلاقات الدولية، وأن تُسهم في بناء الثقة بين الأمم حين تعجز السياسة عن ذلك.

تحدث المتدخلون عن تجارب دولية رائدة في توظيف الرياضة كأداة دبلوماسية، من مباريات كرة القدم التي أذابت جليد الخلافات، إلى المبادرات الأولمبية التي جمعت بين خصوم الأمس على منصة واحدة. غير أن ما ميّز هذا المؤتمر هو الروح المغربية التي أضفت عليه نكهة خاصة، روح الضيافة والكرم والانفتاح التي تجسدت في كل تفصيل، من التنظيم الدقيق إلى الحوارات الجانبية التي كانت تُدار على هامش الجلسات الرسمية.

لكن بركان لم تكتفِ بأن تكون فضاءً للنقاش الأكاديمي، بل قدّمت نفسها للعالم كوجهة سياحية وثقافية بامتياز. فخلال فترات الاستراحة، كان المشاركون على موعد مع اكتشاف سحر الشرق المغربي، حيث تمتزج الطبيعة بالتاريخ، والذوق الرفيع بالبساطة الأصيلة. في مطاعم المدينة، كان الطبخ البركاني سفيراً آخر للدبلوماسية، يروي حكاية الأرض والناس عبر نكهات الزيتون، والكسكس بالقديد، وأكلة “لسان الطير” الشهيرة بالمنطقة الشرقية للمملكة، وطاجين اللحم بالتين المجفف، وأريج الأعشاب الجبلية القادمة من تافوغالت.

تافوغالت، تلك الجبال التي تحرس ذاكرة الإنسان منذ آلاف السنين، كانت حاضرة في كل حديث عن الأصالة والجمال. هناك، بين الغابات الكثيفة والمغارات التاريخية، يشعر الزائر أن الطبيعة نفسها تمارس نوعاً من الدبلوماسية الصامتة، تدعو إلى التأمل والتوازن، وتذكّر بأن السلام يبدأ من انسجام الإنسان مع محيطه. أما المنتجعات المنتشرة في سفوحها، فهي ليست مجرد فضاءات للراحة، بل مختبرات صغيرة للتعايش، حيث يلتقي الزائرون من ثقافات مختلفة على مائدة واحدة، يتبادلون القصص والابتسامات، التي تمتح أصالتها من أصالة الألفة المغربية بتوابل “تمغربيت” الحضارية، كما يتبادلون وصفات الشاي بالنعناع مع ما يصاحبه من حلويات “الكعك” الشهير و”المقروط” و”تقانت” وغيرها من باقي ثراء الأكلات المغربية المتفردة والمميزة.

لقد كان المؤتمر مناسبة لتأكيد أن الدبلوماسية الرياضية ليست مفهوماً نظرياً، بل ممارسة حية تتجسد في كل لقاء إنساني صادق. فحين يتصافح رياضيان من بلدين متباعدين، أو حين يتشارك جمهور من لغات متعددة فرحة هدفٍ جميل، فإن ذلك الفعل البسيط يصبح رسالة سلام أقوى من أي بيان رسمي.

بركان، بما تمتلكه من طاقة بشرية وثقافية، أثبتت أنها قادرة على أن تكون منصة عالمية للحوار الرياضي والدبلوماسي. فهنا، تتجاور الملاعب مع الحقول، والمراكز البحثية مع الأسواق الشعبية، في انسجام يختصر فلسفة المغرب في الجمع بين الحداثة والأصالة.

في ختام المؤتمر، وبين تصفيق الحاضرين وتبادل الصور التذكارية، كان الشعور الغالب أن شيئاً ما قد تغيّر في نظرتنا إلى الرياضة. لم تعد مجرد منافسة أو ترفيه، بل أصبحت لغة عالمية تُعيد للإنسان إنسانيته، وتذكّره بأن الفوز الحقيقي هو في القدرة على اللقاء، لا في تسجيل الأهداف.

وهكذا، غادرت بركان وهي تهمس في الذاكرة: إن الدبلوماسية ليست فقط في القاعات المغلقة، بل أيضاً في الميادين المفتوحة، في طبقٍ يُقدَّم بحب، وفي ابتسامةٍ تُرسم على وجه طفلٍ يركض خلف كرةٍ في أزقة المدينة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button