Hot eventsأخبارأخبار سريعةثقافة و فن

جمالية أدب الرسالة في زمن الرقمنة.. قراءة نقدية في رواية “رسالة من القرن 14” للمبدعة هبة الله العلمي

زايد الرفاعي / ماستر في الصحافة

[كيف تستعيد كاتبة في الثامن عشر من عمرها جنساً أدبياً كان يُظنّ أنه تم وَأْدُهُ مع البريد]؟

حين تصدُر رواية لكاتبة شابة في مقتبل العمر، طالبة في السنة الأولى للذكاء الاصطناعي بـ EPFL لوزان السويسرية، يكون الحدث لافتاً. لكن حين يكون عنوان الرواية “رسالة من القرن 14″، ويكون المضمون استعادة واعية لـ “أدب الرسائل”، يتحوّل الحدث من خبرٍ ثقافي إلى سؤال جمالي: لماذا نعود الآن إلى الورق والحبر والختم بالشمع؟

  1. البنية: الرواية كـ”مخطوطة موجّهة”

تشتغل هبة الله العلمي على كسر سلطة السارد الكلي والمُهيمن. فالنص عندها ليس سرداً خطيا عن الآخر، بل خطاباً موجّهاً إلى الآخر. وهذا هو جوهر أدب الرسائل منذ “رسائل أوفيد” مرورا ب “رسائل كافكا إلى ميلينا”، وانتهاءً برسائل جبران خليل جبران وغسان كنفاني إلى الكاتبة مي زيادة.

غلاف الرواية يقدّم هذا المؤشر البصري مبكراً: صندوق خشبي قديم مفتوح ينبعث منه نور، وبجانبه رقّ مخطوط ومحبرة. الصورة لا تبيع قصة، بل تبيع “وضعية تلقّي”. القارئ هنا ليس مشاهداً، بل متلقٍ متسلّل. يقرأ رسالة لم تُكتب له، فيشعر بمتعة الاقتحام المباح. وهذه المتعة هي ما يفتقده القارئ في الرواية الخطية التقليدية.

  1. الزمن: معادلة البطء ضد هيمنة السرعة الرقمية

الرسالة في القرن 14 كانت مسألة جغرافيا وزمن. قد تستغرق أشهراً لتعبر البحر المتوسط. هذا التأخير ليس خللاً تقنياً، بل هو جوهر الدلالة. فالمسافة تخلق “متعة الانتظار”، والانتظار بوصفه زمنا يخلق “كثافة المعنى”.

في المقابل، نعيش اليوم زمن “أعجبني”، “لم يعجبني”، “تمت المشاهدة”، و”تم الحذف”. كل شيء فوري، وبالتالي كل شيء قابل للنسيان الفوري. تأتي رواية هبة الله العلمي لتعيد الاعتبار للبطء كقيمة جمالية وأخلاقية. هي لا تكتب ضد التكنولوجيا، فهي تدرسها، بل تكتب ضد “استعجال المعنى”. الرسالة عندها ليست وسيلة تواصل، بل هي طقس اعتراف.

  1. اللغة: من بلاغة التقرير إلى بلاغة الاعتراف

ما يميز لغة الرواية، هو انزياحها عن اللغة المدرسية المحكمة. أدب الرسائل يسمح بالشطب، بالتكرار، بالدمعة التي تسيل الحبر فتمحو حرفاً.

هنا تكمن المفارقة المنتجة: كاتبة تدرس الخوارزميات والدقة الرياضية، تختار في أدبها لغة الارتجاف واللامكتمل. هذا ليس تناقضاً، بل هو موقف جمالي. كأنها تقول: الآلة تتقن اليقين، أما الإنسان فيتميّز بالالتباس. والالتباس هو مادة الأدب.

  1. الموقف الثقافي: استعادة الذاكرة ضد أمية الوسيط

اختيار “القرن 14” ليس اعتباطياً. إنه قرن ابن خلدون وابن بطوطة، قرن الرحلات الطويلة، قرن المقدمة، وقرن الرسائل التي عبرت القارات وشيّدت المعرفة. الرواية، إذن، هي فعل استرجاع لذاكرة ثقافية تتعرض للوأد وللمسح في زمن المحتوى القصير.

خاتمة: سؤال الرواية

لا تسأل “رسالة من القرن 14” عن الحبكة أو الشخصيات. سؤالها أعمق: في زمن أصبحت فيه كل رسالة قابلة للنسخ واللصق، ما الذي يجعل رسالة واحدة لا تُنسى؟

الجواب عند هبة الله العلمي يبدو واضحاً: الذي لا يُنسى هو ما كُتب بيد مرتجفة، وخُتم بالشمع، وأُرسل دون ضمان الوصول.
وهذا؛ تعريف جيد للأدب نفسه.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button