أخبارالرئيسيةحوار

سعادة السفير توماش أورلوفسكي: نلاحظ إجماعاً متنامياً حول مخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب

حاورته: سعاد مكاوي-المغرب الدبلوماسي ترجمة بتصرف ل(الحدث الافريقي)

بين بولندا التي أصبحت قوة اقتصادية صاعدة وفاعلاً رئيسياً في الاتحاد الأوروبي، والمغرب الذي يعزز مكانته كقطب للاستقرار ومنصة أفريقية وشريك مميز لأوروبا، تتعدد نقاط التقارب وتفتح الطريق أمام علاقة من نوع جديد. دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التعاون الأمني، التحول الرقمي، الاستثمارات والطموحات المشتركة نحو أفريقيا: تبني وارسو والرباط تدريجياً شراكة تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية.

في هذا الحوار الذي خصّ به “المغرب الدبلوماسي”، يستعرض سفير بولندا لدى المغرب، توماش أورلوفسكي، دوافع هذا التقارب الاستراتيجي، ويقدم تحليله لدور المملكة في التوازنات الإقليمية، ويرسم آفاق تعاون مدعو إلى اكتساب مزيد من العمق والتأثير في الفضاء الأورو-أفريقي.

المغرب الدبلوماسي: سيادة السفير، قبل عشر سنوات، لم يكن كثير من المراقبين ليتخيلوا أن وارسو والرباط يمكن أن تصبحا شريكين استراتيجيين. اليوم، عندما يتحدث المسؤولون البولنديون عن المغرب، هل يتحدثون عن شريك إقليمي مهم أم عن فاعل استراتيجي حقيقي لمصالح بولندا؟

سعادة السفير توماش أورلوفسكي: الوضع الذي نجد أنفسنا فيه اليوم هو نتيجة للدينامية التي يشهدها كل من المغرب وبولندا. منذ أكثر من عشرين عاماً، أصبحت بولندا عضواً في الاتحاد الأوروبي، وهذا العام، أصبحت الاقتصاد العشرين عالمياً من حيث الحجم. وهذا يشهد على التطور الكبير لمكانتنا خلال العقود الأخيرة.

يمكننا ملاحظة دينامية مماثلة في المغرب، الذي تسارع تطوره في عهد جلالة الملك محمد السادس بشكل كبير في السنوات الأخيرة. التقدم المحرز في مجالات عديدة -السياسية والأمنية والاقتصادية والبنية التحتية والاجتماعية والتعليمية والثقافية – يوضح هذا التحول. نحن نستخلص من ذلك الاستنتاجات بشكل طبيعي من خلال تعزيز علاقاتنا وتعاوننا بشكل أكبر.

من الصعب عليّ اليوم تحديد طبيعة علاقاتنا بدقة، سواء كانت شراكة استراتيجية أو شراكة مميزة. أعتقد أننا بصدد بناء نوعية جديدة من العلاقات، تعكس تطور تبادلاتنا وكثافة تعاوننا. وفي الوقت المناسب، سنمنحها بلا شك التسمية الأنسب لها.

تعتبر بولندا الآن المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً جدياً وواقعياً وبراغماتياً. كيف تبلور هذا التطور داخل الدبلوماسية البولندية وماذا يعني بالتحديد لمستقبل العلاقات بين وارسو والرباط؟

قرار الحكومة البولندية، الذي أبلغه نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، رادوسلاف سيكورسكي، لنظيره المغربي، ناصر بوريطة، هو نتيجة تفكير ناضج يستند إلى عدة عناصر.

أولاً، القناعة بأن قضية الصحراء الغربية وصلت إلى مرحلة توجد فيها إرادة حقيقية للتوصل إلى حل، خاصة من جانب الفاعلين الدوليين الرئيسيين والشركاء الإقليميين المعنيين.

ثانياً، نشهد ظهور إجماع متنامٍ حول مخطط الحكم الذاتي المقترح من المغرب. نعتقد أن هذا المخطط يستحق مزيداً من التطوير والتوضيح. وهذا بالضبط ما أكدنا عليه في البيان الصادر عقب اللقاء بين وزيرينا، معربين عن رغبتنا في رؤية هذه المبادرة تستمر في الإثراء والتعميق، وهو ما حدث بالفعل خلال العام الماضي. نحن سعداء بالعمل الرائع الذي أنجزته السلطات المغربية لتحويل عرض الحكم الذاتي إلى مشروع منظم بعمق.

أخيراً، ندرك أهمية العلاقات التي تربط بولندا والمغرب في مجالات عديدة، سواء التجارة أو السياحة أو التعليم العالي أو التبادلات بين مجتمعينا. نستخلص من ذلك الاستنتاجات من خلال الحرص على توفير إطار سياسي ملائم لتعاون لا يتوقف عن التطور.

في سياق دولي يتسم بالأزمات الجيوسياسية والتوترات الإقليمية، كيف ترى بولندا دور المغرب كعامل استقرار في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والفضاء الأورو-متوسطي؟

نلاحظ أن المغرب يقود سياسة خارجية نشطة ومتعددة الاتجاهات ومتوازنة، تقترب تدريجياً من عدد من القيم والمبادئ التي تشكل أيضاً جوهر الثقافة الأوروبية والغربية. نتشارك العديد من المرجعيات المشتركة، مما يسهل بطبيعة الحال الحوار والتعاون بين بلدينا.

نلاحظ أيضاً أنه في منطقة تواجه تحديات متعددة -سياسية واقتصادية واجتماعية وهجرة ومناخية، وكذلك أمنية -يحتل المغرب موقعاً خاصاً ويلعب دوراً رئيسياً معترفاً به في الاستقرار.

نعتبر أنه من المهم دعم جهود المغرب وتعزيز الظروف التي تمكنه من المساهمة بشكل أكبر في الاستقرار الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل. أصبحت هذه المنطقة اليوم واحدة من الشواغل الرئيسية للمجتمع الدولي بسبب التحديات العديدة التي تواجهها.

في هذا السياق تندرج رغبتنا في تعزيز تقاربنا مع المغرب، كدولة أوروبية، عضو في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي.

التجارة الثنائية تتقدم بسرعة، لكن الاستثمارات تبقى دون إمكانات البلدين. ما هي، في رأيك، القطاعات الثلاثة التي يمكن فيها تحقيق قفزة نوعية حقيقية خلال السنوات المقبلة؟

أصبح المغرب، بالفعل، اليوم، الشريك التجاري الأول لبولندا في أفريقيا. وهذا يشهد على الأهمية المتزايدة لتبادلاتنا الاقتصادية، وخاصة، تكامل اقتصاداتنا. نحن شركاء متكاملون أكثر من كوننا منافسين، وهذا يشكل أساساً متيناً لتعميق تعاوننا في السنوات المقبلة.

فيما يتعلق بالقطاعات التي توفر أكبر إمكانات للتطوير، سأذكر في المقام الأول الصناعات التعدينية والطاقية، خاصة في مجال الطاقات المتجددة، وكذلك صناعة الدفاع. هذه قطاعات يمتلك فيها بلدانا مزايا قادرة على توليد تآزرات مهمة.

بعيداً عن الصناعة، نعيش في واقع اقتصادات تحتل فيها الخدمات مكانة مركزية متزايدة. في هذا الصدد، آفاق التعاون واعدة جداً أيضاً. نرغب بشكل خاص في تعزيز التبادلات في تكنولوجيا المعلومات، الإدارة الرقمية، الخدمات المصرفية الرقمية، المدن الذكية، وكذلك جميع الحلول المبتكرة المخصصة لصالح المواطنين ولفائدة الشركات.

نحن مقتنعون بأن هذه المجالات ستشكل محاور رئيسية لتطوير شراكتنا الاقتصادية في السنوات المقبلة.

التعاون الأمني بين الرباط ووارسو يتكثف. في مواجهة التحديات التي يمثلها الإرهاب والشبكات الإجرامية وعدم الاستقرار في الساحل، ما هي المجالات التي يمكن فيها للتعاون المغربي-البولندي أن يضيف قيمة حقيقية للأمن الإقليمي والأوروبي؟

يجد بلدانا نفسيهما في أوضاع تقدم بعض أوجه التشابه والتي نقارنها غالباً في تحليلاتنا. تقع بولندا في جوار مباشر لصراع كبير للأمن الأوروبي والدولي، وهو العدوان الروسي على أوكرانيا. المغرب، من جانبه، يتطور في بيئة إقليمية تتسم بالتوترات والأزمات المستمرة. حتى لو كانت طبيعة هذه التحديات تختلف عن طبيعة الحرب في أوكرانيا – حرب شاملة مقابل أزمة غالباً كامنة ناتجة عن الفقر – فإن لها أيضاً تداعيات مهمة على الاستقرار والأمن الإقليميين.

في هذا السياق، يواجه بلدانا نفس المسؤولية: المساهمة بنشاط في إنتاج الأمن في بيئتيهما، بدلاً من أن يكونا مستفيدين فقط. تساهم بولندا في ذلك شرق أوروبا، بينما يلعب المغرب دوراً أساسياً جنوب المتوسط وفي جواره الإقليمي.

إنه تحدٍ يجب على كل من بلدينا مواجهته أولاً بوسائله الخاصة، بشكل فردي ووفقاً لمسؤولياته وتحالفاته والتزاماته الدولية. وهذا لا يستبعد، بالطبع، تعاوناً وثيقاً بيننا. يمكننا تبادل خبراتنا، ومشاركة تحليلاتنا، والمعلومات الاستخباراتية والمعلومات المفيدة، ودعم بعضنا البعض، سواء على المستوى السياسي أو في مجالات أكثر عملية. هذا التقارب في المصالح والخبرات يشكل عنصراً إضافياً يقرب بولندا والمغرب ويعزز آفاق التعاون بين بلدينا.

كل عام، يكتشف المزيد من السياح والطلاب ورجال الأعمال البولنديين المغرب. كيف يمكن بناء علاقة ليست مؤسسية فقط، بل يحملها أيضاً الجيل الجديد من البلدين؟

تعتمد الدبلوماسية العامة، في رأيي، على القدرة على التأثير وتقريب الرأي العام حول مواقف بلدينا. لهذا السبب أهتم بشكل خاص بالتبادلات بين الشباب والمثقفين والسياح ورجال الأعمال، بدلاً من اختزالها في حوار مؤسسي بسيط بين الحكومات. نشجع بالتالي التبادلات الجامعية ونعمل على تعزيز الاتصالات بين مؤسسات التعليم العالي، مع اهتمام خاص بتنقل الطلاب.

من ناحية أخرى، يشهد عدد السياح البولنديين في المغرب نمواً ديناميكياً للغاية. في العام الماضي، بلغ هذا النمو حوالي 40٪ مقارنة بالعام السابق، مما يوضح الاهتمام المتزايد بالوجهة المغربية. نلاحظ أيضاً اهتماماً متزايداً من رجال الأعمال البولنديين بالفرص التي يوفرها المغرب، سواء على المستوى التجاري أو، خاصة، من حيث الاستثمار.

لمواكبة هذه الدينامية، تلعب الرحلات الجوية دوراً أساسياً. ومع ذلك، لا تزال غير كافية. حتى الآن، توجد اتصالات مباشرة إلى الوجهات السياحية الرئيسية، خاصة مراكش وأكادير، وقد أثبت إطلاق رحلة مباشرة لخطوط لوت الجوية البولندية نجاحاً كبيراً، لكن ينقصنا اتصال إلى القلب الاقتصادي النابض الحقيقي للمملكة، وهو الدار البيضاء. ستساهم بلا شك في مضاعفة التبادلات الاقتصادية والثقافية والسياحية. نعلم أن إمكاناتها لم تُستغل بالكامل. لذلك نرغب في إنشاء، إن أمكن هذا العام، رحلة جوية مباشرة بين وارسو والدار البيضاء.

أصبحت بولندا واحدة من أكثر الفاعلين تأثيراً في الاتحاد الأوروبي. كيف ترى تطور العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمغرب في وقت تحتل فيه قضايا السيادة والأمن الطاقي والهجرة والتنافسية الصدارة؟

نشارك بنشاط في الحوار مع المغرب، الذي شكلت دورة مجلس الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي مرحلة مهمة فيه. وهذا يندرج أيضاً في إطار الذكرى الثلاثين لتوقيع الشراكة بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي.

نلاحظ أن العلاقات بين الطرفين تكتسب نضجاً. إرادة السلطات المغربية للامتثال تدريجياً للمعايير والمقاييس الأوروبية تشهد على عملية مواءمة متزايدة تستند إلى مبدأ صارم لمساواة الشركاء. لا يندرج هذا في منظور الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بل في دينامية توافق أوثق وأكثر شمولاً بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

يستند هذا التقارب على نهج واضح: الحفاظ على هويات وسيادات كل طرف، مع تعزيز قدرات التعاون والعمل المشترك. يستند إلى القناعة بأن احترام السيادة الوطنية والهويات يشكل أساساً جوهرياً لعلاقاتنا، سواء تعلق الأمر بالمغرب أو بولندا أو الدول الأوروبية ككل.

إذا قررت وارسو والرباط غداً إطلاق مشروع رمزي قادر على تحويل علاقاتهما بشكل دائم، أي مجال ستختار: صناعة الدفاع، الطاقة، التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي أم أفريقيا؟

نكتشف تدريجياً القارة الأفريقية. بعد توطيد سياستها الأوروبية، تسعى بولندا بشكل متزايد إلى تطوير علاقاتها خارج قارتها، وتمثل أفريقيا في هذا الصدد طموحاً وأفقاً مهماً للتعاون.

في هذا المنظور، نبحث عن شركاء وجسور ثقة. يظهر المغرب كشريك مميز، قادر على مرافقتنا، وتسهيل فهمنا للمنطقة، ودعم تعاون أوسع وأكثر تنظيماً مع القارة الأفريقية. وبالتالي، فإن البعد الأفريقي لسياستنا الخارجية يمر إلى حد كبير عبر تعزيز علاقاتنا مع المغرب.

على المستوى الثنائي، يتعلق مجال واعد بشكل خاص للتعاون بالتحول الرقمي. يتعلق الأمر بشكل خاص بتطوير أنظمة الخدمات للمواطنين، سواء الخدمات الإدارية أو الصحية أو المالية أو التجارية، القائمة على التكنولوجيات الرقمية.

تمتلك الدول الأوروبية خبرة مهمة في هذه المجالات. طورت بولندا، بشكل خاص، خبرة معترفاً بها في مجال الخدمات الرقمية والخدمات المصرفية الإلكترونية، مما يجعلها اليوم واحدة من أكثر الفاعلين الأوروبيين تقدماً في هذا القطاع. يمكن مشاركة هذه الخبرة بشكل مفيد مع المغرب، في منطق التعاون والتطوير المشترك للحلول المبتكرة.

قد وصلتم إلى المغرب بصورة معينة عن المملكة. ما هو الأمر الذي فاجأكم أكثر منذ توليكم مهامكم، والذي لم يكن يتطابق إطلاقاً مع ما كنتم تتصورونه قبل وصولكم؟

لست مندهشاً، بل راضٍ بعمق عن اكتشاف ومعاينة النضج السياسي لبلد يتطور بإيقاع يتناسب مع احتياجات سكانه.

يندرج هذا التطور ضمن طموح واضح: بناء مجتمع حديث ومنفتح وموجه نحو الصناعة والخدمات، مع الحفاظ على تقاليده الوطنية وهويته الدينية وتمسكه بالقيم الثقافية والتاريخية. هذه القدرة على التوفيق بين الحداثة والاستمرارية تشكل، في نظري، أحد العناصر الأساسية للمسار الحالي للبلاد.

• إذا اتصل بكم صديق بولندي غداً ليسألكم: “ليس لدي سوى ثلاثة أيام في المغرب، أين يجب أن أذهب لأفهم حقاً روح البلاد؟”، ماذا ستجيبونه؟

أعتقد أن هذا سؤال مهم بشكل خاص لختام هذا الحوار، لأنني بدأت بنفسي في تكوين صورة أكثر دقة عن المغرب، دون أن أدعي امتلاك خبرة عميقة بما يكفي لأكون دليلاً نهائياً.

يبدو لي مع ذلك أن تطور البنية التحتية المغربية، سواء تعلق الأمر بشبكة الطرق السيارة أو خطوط السكك الحديدية فائقة السرعة، يتيح تصور مسار لاكتشاف البلاد في ثلاثة أيام، بدءاً من طنجة، مروراً بالرباط والدار البيضاء، وصولاً إلى مراكش.

كل واحدة من هذه المدن تعكس جانباً مختلفاً من المغرب. طنجة، أولاً، تشكل بوابة حقيقية بين أوروبا والبحر الأبيض المتوسط. مع طنجة المتوسط، تفرض نفسها كقطب صناعي وميناء رئيسي، بينما تحتفظ المدينة نفسها بطابع كوزموبوليتي متفرد وجذاب بشكل خاص.

الرباط، من جهتها، تتميز بجودة الحياة والتوازن، لدرجة يمكن معها مقارنتها بكبريات العواصم الأوروبية. الدار البيضاء، من جانبها، هي مركز اقتصادي ديناميكي، في نشاط دائم، ملتقى حقيقي بشري وصناعي. رغم صعوبات الحركة المرورية، التي لا تثني وإن كانت لا تسهل الحياة، فإنها تجسد بشكل لافت الإيقاع المكثف وحيوية البلاد.

وأخيراً، تجسد مراكش مدينة رمزية للمغرب، غالباً ما يُنظر إليها كبوابة نحو أفريقيا ورمز قوي لهويته. كما عبّر عن ذلك المغفور له الملك الحسن الثاني، يمكن تشبيه المغرب بشجرة جذورها راسخة في أفريقيا وأغصانها ممتدة نحو أوروبا. هذه الصورة، في نظري، تلخص بشكل أفضل موقع ومسار البلاد.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button