
ألمانيا- منير لكماني
لم يكن قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» بتعيين الحكم السلوفيني سلافكو فينتشيتش لإدارة نهائي كأس العالم 2026 قرارا عاديا؛ فالمباراة النهائية ليست مجرد لقاء لتحديد البطل، بل هي إختبار للحكم قبل أن تكون إختبارا للاعبين.
وفي مثل هذه المناسبات، تبحث لجنة الحكام عن شخصية تمتلك الخبرة والهدوء والقدرة على إتخاذ القرارات الحاسمة تحت ضغط ملايين المتابعين. وهنا يفرض السؤال نفسه: هل أصابت «فيفا» في هذا الإختيار؟ وهل يدخل المنتخبان، الأرجنتين وإسبانيا، المباراة النهائية وهما مطمئنان إلى هوية الحكم؟
بالنظر إلى مسيرة سلافكو فينتشيتش، يصعب الطعن في أحقيته بقيادة المباراة؛ فقد أمضى أكثر من خمسة عشر عاما ضمن قائمة حكام «فيفا»، وأدار نهائي الدوري الأوروبي عام 2022، ثم نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2024. كما شارك في بطولات كأس العالم وكأس أمم أوروبا، وهو ما جعله واحدا من أكثر الحكام الأوروبيين خبرة في إدارة المباريات الكبرى.
وتعد شخصيته الهادئة من أبرز نقاط القوة التي يتميز بها الحكم السلوفيني؛ فهو لا يسمح للمباراة بأن تنفلت من يده، وفي الوقت نفسه لا يسعى إلى فرض حضوره بإشهار البطاقات الصفراء والحمراء منذ الدقائق الأولى.
كما يمتلك قدرة جيدة على التواصل مع اللاعبين، ويمنحهم فرصة للتركيز على كرة القدم بدلا من الدخول في صراعات جانبية معه. وقد تكون هذه الشخصية عنصرا مهما في نهائي يجمع منتخبين يعتمدان على الإستحواذ والضغط العالي، إذ ستكون إدارة الأعصاب أكثر أهمية من كثرة إطلاق الصافرة.
ويتميز فينتشيتش أيضا بلياقة بدنية عالية تساعده على الإقتراب من مواقع اللعب، ما يقلل احتمالات الوقوع في أخطاء ناتجة عن سوء التمركز. ويضاف إلى ذلك خبرته الكبيرة في التعامل مع تقنية حكم الفيديو المساعد، وهو عامل أصبح أساسيا في المباريات النهائية التي قد تحسمها تفاصيل صغيرة داخل منطقة الجزاء.
لكن سجل الحكم السلوفيني لا يخلو، في المقابل، من بعض نقاط الضعف؛ فقد تعرض في أكثر من مناسبة لإنتقادات بسبب تفاوت معاييره في إحتساب الأخطاء وإشهار البطاقات.
وفي بعض المباريات، يفضل فينتشيتش منح اللاعبين فرصا متعددة قبل اللجوء إلى العقوبات. وقد ينجح هذا الأسلوب في مباريات معينة، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا ارتفعت حدة الاحتكاكات منذ البداية. لذلك سيكون مطالبا بوضع معيار واضح منذ الدقائق الأولى، حتى لا يشعر أي طرف بأن أسلوب التحكيم قد تغير في أثناء المباراة.
أما عن موقف المنتخبين من هذا الاختيار، فلا توجد مؤشرات تدل على إعتراض أي منهما. فالمنتخب الإسباني يملك ذكريات إيجابية مع فينتشيتش، إذ لم يتعرض للهزيمة في المباريات التي أدارها له، وحقق خلالها عدة إنتصارات وتعادلا واحدا.
غير أن هذه الأرقام تبقى مجرد إحصاءات لا تمنح إسبانيا أي أفضلية؛ لأن نتائج المباريات ترتبط بأداء الفريق أكثر من ارتباطها بهوية الحكم.
وفي المقابل، سبق للحكم السلوفيني أن أدار مباراة الأرجنتين أمام السعودية في مونديال قطر 2022، والتي انتهت بخسارة مفاجئة للمنتخب الأرجنتيني. لكن أحدا في الأوساط الأرجنتينية لم يحمل الحكم مسؤولية تلك النتيجة، كما لم تصدر عن الاتحاد الأرجنتيني أو الجهاز الفني أي اعتراضات على تعيينه لإدارة نهائي كأس العالم.
ويعكس ذلك ثقة الطرفين في نزاهة الحكم، حتى وإن اختلفت الذكريات المرتبطة بالمباريات السابقة.
ويمكن القول إن إرتياح المنتخبين لا يعود إلى نتائج المباريات التي أدارها فينتشيتش بقدر ما يعود إلى سمعته المهنية؛ فهو لا يعرف بالانحياز، ولم ترتبط مسيرته بقضايا تحكيمية أثرت في نتائج البطولات الكبرى.
كما واصل الاتحادان الدولي والأوروبي الاعتماد عليه في أهم المواجهات، وهو ما يعكس ثقة المؤسسات الكروية في كفاءته وقدرته على إدارة المباريات الحساسة.
يبدو أن «فيفا» أحسنت الإختيار، إستنادا إلى معايير الخبرة والإستقرار والقدرة على إدارة المباريات الكبرى. صحيح أن فينتشيتش ليس حكما مثاليا، وأنه، مثل جميع حكام العالم، معرض للخطأ، إلا أن نقاط قوته تبدو أكثر من نقاط ضعفه، وهو ما أهله للوصول إلى أهم مباراة في كرة القدم العالمية.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الحكم السلوفيني أن يغادر ملعب النهائي كما دخله: بعيدا عن العناوين المثيرة للجدل.
فإذا انتهت المباراة وكان الحديث منصبا على أداء اللاعبين، لا على قرارات الحكم، فسيكون فينتشيتش قد نجح في أصعب إختبار في مسيرته، وسيؤكد أن «فيفا» كانت محقة عندما منحته شرف إدارة نهائي كأس العالم.



