
ألمانيا-منير لكماني
تبدو كرة القدم والسياسة عالمين مختلفين؛ فالأولى لعبة تحكمها تسعون دقيقة، والثانية تدبير يومي لشؤون مجتمع كامل. غير أن التأمل يكشف أن كليهما يقوم على القيادة، والتخطيط، واختيار الأشخاص، وتوزيع الأدوار، وقراءة الواقع، وتصحيح الأخطاء في الوقت المناسب. ومن هنا يبرز اسم فوزي لقجع، الذي ارتبط بمرحلة بارزة من تطور كرة القدم المغربية، ليصبح موضوعا للنقاش حول إمكان انتقال تجربته من تدبير الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى تدبير الحكومة.
لكن يجب التمييز بين الواقع والاحتمال. فنجاح لقجع في المجال الكروي تجربة قائمة يمكن تقييمها، أما توليه رئاسة الحكومة فليس أمرا رسميا محسوما، بل مجرد احتمال يجري تداوله في الإعلام والنقاش السياسي. ومع ذلك، يظل السؤال مشروعا: هل يمكن نقل وصفة النجاح من الملعب إلى الدولة؟
لقد قامت التجربة الكروية المغربية على عناصر واضحة، من بينها تحديد الأهداف، والاستثمار في البنيات التحتية، وتطوير التكوين، والبحث عن اللاعبين داخل المغرب وخارجه، والاستفادة من أبناء الجالية المغربية. ولم يكن المعيار مكان الولادة أو العلاقات الشخصية، بل القدرة على تقديم الإضافة. وهنا تظهر أولى نقاط المقارنة مع العمل الحكومي: هل يمكن إنشاء شبكة شبيهة بكشافي كرة القدم للبحث عن الكفاءات المغربية في الجامعات والمستشفيات والشركات والمؤسسات الدولية؟
فكما تبحث الجامعة عن مدافع قوي أو صانع ألعاب موهوب، تحتاج الدولة إلى مهندسين وأطباء واقتصاديين وخبراء في التعليم والماء والطاقة والذكاء الاصطناعي. غير أن استقطاب الكفاءات لا يتحقق بالشعارات، بل بتوفير مشروع واضح، وصلاحيات حقيقية، وإدارة فعالة، وربط المسؤولية بالنتائج.
ويطرح هذا الأمر سؤالا أكثر حساسية: هل تنتهي سياسة «باك صاحبي»، وترشيح الأعيان وأصحاب المال والنفوذ؟ في كرة القدم، لا يستطيع اللاعب الاحتفاظ بمكانه اعتمادا على اسمه أو علاقاته؛ فالملعب يكشف مستواه، والجمهور يرى أخطاءه، والنتيجة لا تجامل أحدا. أما في السياسة، فقد يصل شخص ضعيف الكفاءة إلى موقع متقدم بفضل المال أو القرابة أو الولاء.
ولو طبق منطق الملعب على الحكومة، لأصبح كل وزير مطالبا بتقديم نتائج واضحة. فالوزير الذي لا يحقق أهداف قطاعه يشبه مهاجما لا يسجل ولا يصنع الفرص؛ يمنح وقتا للتصحيح، ثم يستبدل إذا استمر عجزه. لكن القضاء على المحسوبية لا يحتاج إلى رجل قوي فقط، بل إلى قوانين واضحة، وأحزاب ديمقراطية، وقضاء مستقل، وإعلام يقظ، ومؤسسات تراقب وتحاسب.
أما البرلمان، فيشبه خط الوسط؛ فهو الذي يربط الشعب بالحكومة، ويراقب السلطة التنفيذية، ويناقش الميزانية، ويسهم في سن القوانين. وإذا كان خط الوسط ضعيفا، عجز الفريق عن بناء اللعب. وكذلك، إذا امتلأ البرلمان بأصحاب المال والنفوذ، وضعفت فيه الكفاءة والنزاهة، تعطلت الرقابة، وتحول التشريع إلى عمل شكلي.
ولا تعني الكفاءة امتلاك الشهادات وحدها، بل تشمل أيضا فهم القوانين، والقدرة على مساءلة الوزراء، وتمثيل المواطنين، واقتراح الحلول. لذلك يحتاج المغرب إلى أحزاب تختار مرشحيها على أساس النزاهة والخبرة، وإلى ناخبين يصوتون للبرامج والسير المهنية، لا للقرابة أو المصلحة الآنية.
كما أن «حكومة المونديال» لا ينبغي أن تكون حكومة ملاعب ومطارات فقط؛ فنجاحها الحقيقي يجب أن يظهر أيضا في المدرسة والمستشفى والنقل وفرص الشغل والعدالة. فلا معنى لملعب عالمي بجوار مستشفى عاجز، ولا لقنطرة حديثة تقود إلى مدرسة متدهورة.
ويبقى السؤال الأكبر: هل يستطيع لقجع رفع ترتيب المغرب عالميا كما ارتفع ترتيب المنتخب؟ إن ترتيب الدول لا يقاس بعدد الانتصارات، بل بجودة التعليم والصحة، ومستوى الدخل، ومحاربة الفساد، واستقلال القضاء، والثقة في المؤسسات. فالمغرب يحتاج إلى الفوز في مباريات متزامنة: مباراة التعليم، والصحة، والتشغيل، والماء، والعدالة، والسكن.
والدولة، في النهاية، ليست جامعة لكرة القدم. فرئيس الحكومة يعمل وسط أغلبية برلمانية، وأحزاب، ونقابات، وإدارات، ومؤسسات دستورية. كما أن المعارضة ليست فريقا يجب إقصاؤه، بل جزء من الديمقراطية. لذلك، فإن نجاح أي رئيس حكومة لا يتوقف على قوته الشخصية، بل على قدرته على بناء مؤسسات تعمل بالقانون.
إن الدرس الحقيقي المستفاد من كرة القدم ليس صناعة زعيم جديد، بل بناء منظومة ناجحة تقوم على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وتحديد الأهداف، ومراقبة النتائج، ومحاسبة المقصرين. فالأسماء تتغير، والمدربون يرحلون، والوزراء يغادرون، أما النجاح الحقيقي فهو أن تستمر المؤسسة في تحقيق النتائج بعد رحيل من قادها.



