سلسلة..البوليساريو..من الزملة إلى الزويرات 3/7

حين دخلت الجزائر على الخط… كيف بدأت معركة السيطرة على قرار البوليساريو؟”
الحدث الافريقي- عبدالسلام العزوزي
ليست كل الشهادات سواء، فبعضها يعيد سرد الوقائع، بينما يهز بعضها الآخر ملفات ظلت لعقود حبيسة الكواليس. وهذا ما فعله البشير الدخيل، أحد الأسماء المؤسسة لجبهة البوليساريو، حين خرج في حوار مطول ليروي تفاصيل يعتبرها الأقرب إلى “الصندوق الأسود” لنشأة الجبهة، مقدماً رواية مختلفة عن السردية التي تبنتها قيادتها منذ أكثر من نصف قرن.
وعلى امتداد أكثر من ساعة ونصف من الحوار، على قناة “الشرعي بودكاست”، تنقل الدخيل بين محطات التأسيس الأولى، والخلافات الداخلية، وعلاقته بالرئيس الراحل هواري بومدين والعقيد الليبي معمر القذافي، وصولاً إلى اتهامات غير مسبوقة وجهها للقيادة الحالية للجبهة، وعلى رأسها إبراهيم غالي، الذي لم يتردد في وصفه بأنه “خان رفاقه” وتحول، وفق روايته، إلى أداة لتنفيذ السياسات الجزائرية داخل التنظيم.
الحلقة الثالثة: “
إذا كانت السنوات الأولى من تأسيس جبهة البوليساريو قد ارتبطت، بحسب رواية أحد مؤسسيها البشير الدخيل، بحلم مقاومة الاستعمار الإسباني، فإن المرحلة الموالية – كما يصفها – شكلت نقطة التحول الأخطر في تاريخ التنظيم، حين بدأ القرار الداخلي، تدريجياً، ينتقل من أيدي المؤسسين إلى مراكز نفوذ خارجية، كان للجزائر فيها الدور الأكثر تأثيراً.
وفي الحلقة الثالثة من هذه الشهادة المطولة، يقدم الدخيل سرداً يعتبره مفصلياً، يبدأ من المؤتمر الثاني للجبهة سنة 1974، وينتهي – بحسب روايته – ببداية الصراع على القيادة، وصعود شخصيات جديدة ستتولى لاحقاً زمام التنظيم لعقود طويلة.
ويؤكد أن ما يورده يعكس شهادته الشخصية وتجربته داخل القيادة الأولى للجبهة، وهي رواية تبقى محل نقاش واختلاف مع الرواية الرسمية التي تتبناها قيادة البوليساريو والسلطات الجزائرية.
من مؤتمر داخلي إلى بوابة النفوذ
يقول الدخيل إن المؤتمر الثاني للجبهة كان لحظة حاسمة، إذ جرى خلاله انتخاب الولي مصطفى السيد أميناً عاماً باعتباره، في نظر المؤسسين، الشخصية الأكثر تكويناً وقدرة على القيادة.
لكن ما إن انتهى المؤتمر، وفق روايته، حتى تلقت القيادة دعوة رسمية لزيارة الجزائر، وهناك بدأت – كما يقول – مرحلة جديدة من العلاقة بين الجبهة والسلطات الجزائرية.
ويضيف أن وفداً من ستة أعضاء انتقل إلى الجزائر للمشاركة في لقاءات سياسية وشبابية، قبل أن يلتقي عدداً من كبار المسؤولين الجزائريين آنذاك، في مرحلة يعتبرها بداية إعادة رسم موازين القوة داخل التنظيم.
لقاءات… ورسائل سياسية
ويروي الدخيل أن الوفد استقبل في الجزائر بطريقة وصفها بـ”غير الرسمية”، قبل أن يُنقل إلى لقاءات مع شخصيات نافذة في النظام الجزائري. ويضيف، إن تلك اللقاءات لم تكن بروتوكولية فحسب، بل حملت – بحسب فهمه – رسائل سياسية واضحة بشأن مستقبل قيادة البوليساريو.
ويضيف أن السلطات الجزائرية، وفق روايته، كانت تتابع بدقة البنية القبلية داخل التنظيم، معتبرة أن الولاءات الاجتماعية والقبلية ستكون عاملاً مؤثراً في رسم القيادة المقبلة.
بداية الخلاف مع الولي مصطفى السيد
بحسب الدخيل، بدأت الضغوط السياسية بعد العودة مباشرة من الجزائر، حيث ظهرت داخل اللجنة التنفيذية أصوات تطالب بإبعاد الولي مصطفى السيد عن الأمانة العامة. ويؤكد أن هذه الخطوة اعتبرها مخالفة للقواعد التنظيمية، لأن الأمين العام – حسب النظام الداخلي – لا يمكن عزله إلا عبر مؤتمر استثنائي.
ويؤكد، إن الولي رفض الاستجابة لتلك الضغوط، متمسكاً بشرعية انتخابه، وهو ما أدى إلى انقسام واضح داخل القيادة.
الجيش مع الولي… والسياسة في اتجاه آخر
ويروي الدخيل، الذي كان يشرف على اللجنة العسكرية، أن أغلبية المقاتلين ظلوا يعتبرون الولي قائدهم الشرعي، بينما بدأت اللجنة التنفيذية – وفق روايته – تتحرك في اتجاه مغاير.
ويضيف أن الأزمة لم تكن مجرد خلاف تنظيمي، بل كانت، في نظره، بداية صراع على هوية القرار داخل الجبهة، ومن يمتلك سلطة توجيهه.
ويؤكد أن تلك المرحلة شهدت احتقاناً متزايداً بين القيادات المؤسسة، قبل أن تتطور الأمور لاحقاً إلى مواجهات داخلية واعتقالات، سيعود إليها في أجزاء لاحقة من هذه السلسلة.
لماذا اختير عبد العزيز؟
ومن بين أكثر النقاط إثارة في شهادة الدخيل حديثه عن صعود محمد عبد العزيز إلى قيادة البوليساريو لاحقاً.
ويقول إن اختياره لم يكن، بحسب تقديره، نتيجة منافسة سياسية داخلية فقط، بل ارتبط أيضاً باعتبارات قبلية وجغرافية كانت الجزائر، وفق روايته، توليها أهمية كبيرة في إدارة الملف.
ويضيف أن هذا التوجه سيصبح لاحقاً أحد ثوابت إدارة التنظيم، وهو ما يعتبره سبباً في استمرار نفس القيادة لعقود طويلة دون تداول حقيقي على السلطة.
ليبيا… الدعم لا التأسيس
ويتوقف الدخيل أيضاً عند الدور الليبي، نافياً أن يكون العقيد معمر القذافي هو المؤسس الحقيقي للبوليساريو، كما يردد بعض خصوم الجبهة أو مؤيديها.
ويؤكد أن القذافي قدم دعما سياسياً وعسكرياً ومالياً، لكنه يميز بين “الدعم” و”التأسيس”، معتبراً أن النواة الأولى للجبهة تشكلت قبل وصول هذا الدعم.
ويشير إلى أن ليبيا، في تلك المرحلة، كانت تدعم عدداً من حركات التحرر في إفريقيا والعالم العربي، في إطار رؤيتها السياسية والإيديولوجية آنذاك.
الحرب الباردة… والخلفية الإيديولوجية
وفي قراءته للسياق الإقليمي، يربط الدخيل بين تطور قضية الصحراء وأجواء الحرب الباردة.
فبحسب روايته، كانت الجزائر تتبنى مشروعاً ثورياً متأثراً بالمعسكر الشرقي، بينما كانت ليبيا تنظر إلى نفسها باعتبارها حاملة لمشروع الوحدة العربية، وهو ما انعكس – في تقديره – على طبيعة الخطاب السياسي الذي تبنته البوليساريو في تلك المرحلة.
ويرى أن كثيراً من الشعارات التي رفعتها الجبهة آنذاك كانت امتداداً لخطابات سادت في العالم خلال سبعينيات القرن الماضي أكثر من كونها نابعة من خصوصية المجتمع الصحراوي.
بداية مرحلة جديدة
يعتبر البشير الدخيل أن سنة 1974 مثلت، في نظره، بداية التحول الحقيقي في مسار البوليساريو.
فبعد أشهر قليلة فقط من المؤتمر الثاني، بدأت – وفق روايته – ملامح صراع داخلي على القيادة، تزامناً مع تنامي الحضور الجزائري في تفاصيل القرار السياسي والعسكري، وهي مرحلة يقول إنها ستقود لاحقاً إلى اعتقالات داخلية، ومحاولات إقصاء، ثم أحداث أكثر دموية ستشكل المنعطف الأكبر في تاريخ الجبهة.
يتبع… في الحلقة الرابعة:
“البوليساريو… من الزملة إلى الزويرات (4): البشير الدخيل يروي أخطر الفصول… الاعتقالات، محاولة تصفية المؤسسين، ولقاء هواري بومدين الذي غيّر كل شيء.”



