الاستدامة المالية لمنظومة التقاعد بالمغرب

اختلالات مالية وديمغرافية متراكمة تجعل كلفة الانتظار أعلى من كلفة الإصلاح
ألمانيا – منير لكماني
ليست أزمة التقاعد في المغرب أزمة مستقبلية مؤجلة إلى جيل آخر؛ إنها التزام مالي يتضخم الآن بصمت. والخطر أن النقاش العمومي ما زال يدور غالبا حول سؤال: «63 أم 65 سنة؟»، بينما تكشف الأرقام أن المشكلة أعمق بكثير: قاعدة ممولين تضيق، وأنظمة متفاوتة في أوضاعها، وشيخوخة سكانية متسارعة، والتزامات مالية طويلة الأمد تنمو بوتيرة أسرع من الموارد المتاحة.
بيانات هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي (ACAPS) ترسم أول خط أحمر. ففي سنة 2023 لم تتجاوز تغطية أنظمة التقاعد الأساسية 49.1 في المئة من السكان النشيطين المشتغلين، رغم وجود نحو 4.8 ملايين مساهم نشط.
والأشد دلالة هو التفاوت بين الأنظمة. ففي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) يوجد نحو 7.5 مساهمين نشطين مقابل كل متقاعد، لكن النسبة تنخفض إلى 2.1 فقط في نظام المعاشات المدنية التابع للصندوق المغربي للتقاعد (CMR)، وإلى نحو 1.3 في النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR).
هذه ليست مجرد نسب سكانية يصعب فهمها على غير المختصين، بل هي قلب معادلة التقاعد: كلما قل عدد العاملين الذين يؤدون الاشتراكات مقابل كل متقاعد، ازدادت صعوبة تمويل المعاشات من الموارد الجارية.
وفي السنة نفسها، جمعت أنظمة التقاعد الأساسية نحو 67.3 مليار درهم من الاشتراكات، بينما أدت قرابة 74.6 مليار درهم من المعاشات والمنافع. وسجل نظام المعاشات المدنية في الصندوق المغربي للتقاعد (CMR) عجزا تقنيا يقارب 8.2 مليارات درهم، وسجل النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد (RCAR) عجزا بنحو 4.4 مليارات درهم، في مقابل فائض تقني بحوالي 6.5 مليارات درهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS).
وتذهب التقديرات التي تعدها هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي (ACAPS)، وهي ما يعرف تقنيا بالدراسات الاكتوارية، أي الحسابات التي تستشرف قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته في المستقبل، إلى أن الاحتياطيات قد تستنفد، إذا استمرت القواعد والفرضيات نفسها، في نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد حوالي سنة 2031، وفي فرع المعاشات طويلة الأمد للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في حدود 2037، وفي النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد قرابة 2051.
هذه التواريخ لا تعني أن المتقاعدين سيتوقفون فجأة عن تلقي معاشاتهم، لكنها تعني أن الاحتياطي المالي الذي يستخدم لامتصاص العجز يمكن أن يتآكل، وعندها ينبغي البحث عن المال في مكان آخر: زيادة الاقتطاعات، أو رفع مساهمة الدولة والمشغلين، أو اللجوء إلى الميزانية العامة، أو تعديل شروط الاستفادة، أو رفع سن التقاعد.
وهنا تبدأ كلفة التأجيل.
فما لا يمول اليوم من داخل النظام قد يتحول غدا إلى ضريبة يدفعها المجتمع كله.
وتزيد الديمغرافيا من حدة الإنذار. فقد أصبح المغاربة الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر يمثلون نحو 13.8 في المئة من السكان. وتشير توقعات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن عددهم قد يرتفع من نحو خمسة ملايين شخص سنة 2024 إلى 10.9 ملايين سنة 2060، أي إلى ما يقارب ربع سكان المغرب.
المشكلة هنا واضحة حتى من دون معادلات: عدد أكبر من المواطنين سيعيش سنوات أطول بعد التقاعد، بينما سيصبح عدد السكان في سن العمل، نسبيا، أقل قدرة على تمويل هذا التوسع.
والعالم سبق المغرب إلى هذا الامتحان.
ألمانيا ترفع سن التقاعد تدريجيا إلى 67 عاما. والسويد أدخلت آلية تسمح لنظامها بتصحيح بعض الاختلالات تلقائيا عندما تصبح الالتزامات أكبر من الموارد. وأستراليا رفعت مساهمة المشغلين الإلزامية في الادخار التقاعدي إلى 12 في المئة من الأجر منذ يوليو 2025.
أما هولندا، التي تعد من الدول صاحبة أكبر المدخرات التقاعدية في العالم، فتخوض بدورها إصلاحا عميقا لنظامها. وفي كندا بلغت أصول مؤسسة استثمارات خطة المعاشات الكندية (CPP Investments) نحو 793.3 مليار دولار كندي في مارس 2026، وهي مؤسسة متخصصة في استثمار احتياطيات التقاعد على المدى الطويل.
لكن المقارنة الدولية تقود إلى نتيجة مهمة: لا يوجد نظام سحري.
نظام التوزيع، حيث تمول اشتراكات العاملين معاشات المتقاعدين الحاليين، يتأثر بشدة عندما ترتفع أعداد المتقاعدين وتنخفض نسبة المساهمين.
أما نظام الرسملة، حيث تستثمر الاشتراكات لتكوين احتياطيات للمستقبل، فهو أكثر ارتباطا بعوائد الاستثمار وتقلبات الأسواق.
ولهذا تميل الدول الأكثر تقدما في هذا المجال إلى المزج بين الآليتين بدل الاعتماد على واحدة منهما وحدها.
ويبدو أن المغرب يتجه هو الآخر نحو هذا التصور. فقد اقترح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بناء نظام يقوم على معاش أساسي إجباري قائم على التضامن، ونظام تكميلي إجباري بالنسبة إلى الدخول الأعلى، ثم ادخار فردي اختياري، إلى جانب توحيد أكبر في قيادة المنظومة وتحسين إدارة احتياطياتها.
لكن الإصلاح الحقيقي لن يكون مجرد تغيير في سن التقاعد.
السؤال الأصعب هو: ماذا نفعل بنحو نصف المشتغلين الذين لا تشملهم أنظمة التقاعد الأساسية بصورة كاملة؟ وكيف نوسع قاعدة المساهمين؟ وكيف نحمي أصحاب الأجور الضعيفة والعمل الموسمي والمسارات المهنية المتقطعة؟
هنا تحديدا يوجد ناقوس الخطر.
فالمغرب لا يواجه فقط مشكلة صندوق يمكن إصلاح حساباته، بل تحولا اجتماعيا وديمغرافيا يمس جيلا كاملا.
والخطر الحقيقي ليس أن تستيقظ البلاد ذات صباح لتكتشف أن صناديق التقاعد «أفلست». الخطر أن تكون الأرقام معروفة منذ سنوات، وأن تكون مؤشرات الشيخوخة واضحة، ثم يستمر تأجيل القرارات الصعبة حتى تصبح الخيارات أقل، والكلفة أعلى.
التقاعد دين طويل الأجل على المستقبل. لا يظهر كله في ميزانية اليوم، لكنه لا يختفي بتجاهله. وكل سنة تضيع دون إصلاح عميق قد تعني فاتورة أكبر يدفعها العامل والمتقاعد ودافع الضرائب غدا.



