Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

اليوم العالمي للشباب… حين يصبح الوطن طاردًا لأحلام شبابه

فاس- الحسن سنداني

جاءنا اليوم العالمي للشباب… لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه، بعيدًا عن الخطب الرسمية والصور الاحتفالية والشعارات الرنانة: ماذا قدمنا لشبابنا حتى يحتفلوا بهذا اليوم؟
جاء اليوم العالمي للشباب، وشباب وطننا لا يفكر كثير منهم في بناء المستقبل داخل وطنهم، بل في كيفية مغادرته.
جاء اليوم العالمي للشباب، وشبابنا يصطدمون كل صباح بجدار البطالة، وغلاء المعيشة، والفقر، وانعدام الفرص، وتعقيد المساطر، وغياب العدالة في الوصول إلى الإمكانيات.
جاء اليوم العالمي للشباب، وشاب في مقتبل العمر يجد نفسه مطالبًا بأن يكون لديه “تجربة” حتى يحصل على أول فرصة عمل، ورأس مال حتى يبدأ مشروعًا، وعلاقات حتى يصل إلى بعض الفرص، وصبرٌ لا ينتهي حتى يواجه سنوات الانتظار.
فكيف نطلب من شاب أن يحلم، بينما الواقع يدفعه يوميًا إلى اليأس؟
المشكلة ليست في الشباب المغربي.
هذا الشباب أثبت في مناسبات كثيرة أنه قادر على الإبداع والمبادرة والمقاولة والعمل والتطوع وصناعة الحلول. المشكلة الحقيقية هي أن منظومة الفرص لم تتطور بالسرعة التي تتطور بها طموحات هذا الجيل.
نحن أمام جيل مختلف؛ جيل يرى العالم على هاتفه، ويقارن بين الفرص المتاحة له وبين ما يحصل عليه أقرانه في دول أخرى. ولذلك لم تعد الهجرة بالنسبة إلى بعض الشباب مجرد حلم، بل أصبحت في نظر البعض مشروعًا للخلاص.
وهنا يجب أن نتوقف.
حين يصبح السؤال الذي يطرحه الشاب: “كيف أهاجر؟” بدل “كيف أبني مستقبلي هنا؟”، فهذه ليست مشكلة فردية، وإنما إشارة قوية إلى وجود خلل في السياسات العمومية.

الشباب لا يريد المستحيل

الشباب لا يطلب قصورًا ولا امتيازات استثنائية.
يريد تعليمًا جيدًا.
يريد تكوينًا يفتح له أبواب سوق الشغل.
يريد وظيفة تحفظ كرامته.
يريد أن يستطيع تأسيس مشروع صغير دون أن يجد نفسه غارقًا في التعقيدات والرسوم والمصاريف قبل أن يبدأ.
يريد إدارة تسمع له بدل أن تضع أمامه ألف حاجز.
ويريد قبل كل شيء أن يشعر بأن له مكانًا في هذا الوطن.
لكن المؤسف أن الخطاب الرسمي كثيرًا ما يعيد إنتاج نفس الكلمات: الشباب، الإدماج، التشغيل، المقاولة، الابتكار، الفرص…
ثم تنتهي الاحتفالات، ويبقى الشاب وحده أمام واقعه.
لا يمكن أن نبني ثقة الشباب بالوعود وحدها.
الثقة تُبنى عندما يرى الشاب فرصة حقيقية أمامه، وعندما يجد أن الكفاءة يمكن أن توصله، وأن الاجتهاد يمكن أن يغير حياته، وأن الدولة تنظر إليه باعتباره شريكًا في التنمية وليس مجرد رقم في تقرير أو جمهور في حملة انتخابية.

حكومة الشباب… أم شباب ينتظر الحكومة؟

المطلوب اليوم ليس المزيد من البرامج التي تحمل أسماء جميلة، ولا المزيد من المؤتمرات التي تتحدث عن الشباب أمام الشباب.
المطلوب هو سياسة عمومية واضحة للشباب، لها أهداف قابلة للقياس، وتمويل واضح، ومحاسبة واضحة.
كم شابًا تم تشغيله؟
كم مشروعًا شبابيًا استمر بعد سنة أو سنتين؟
كم مقاولة صغيرة أنقذناها من الإغلاق؟
كم شابًا استفاد فعليًا من التكوين؟
وكم شابًا اضطر إلى الهجرة لأنه لم يجد فرصة داخل وطنه؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
أما أن نحتفل بالشباب مرة واحدة في السنة، ثم نتركه 364 يومًا يواجه البطالة والغلاء والإقصاء والانتظار، فهذا لا يصنع مستقبلًا.

أخطر ما يمكن أن نخسره ليس الشباب… بل ثقة الشباب

الدول لا تخسر فقط عندما يغادر شبابها.
تخسر عندما يفقد الشباب الثقة في إمكانية النجاح داخل وطنهم.
لأن أخطر مرحلة ليست لحظة شراء تذكرة الهجرة، وإنما اللحظة التي يقتنع فيها الشاب بأن لا جدوى من المحاولة.
عندما يصل إلى هذه القناعة، يصبح الوطن في نظره مكانًا للانتظار، والهجرة مكانًا للأمل.
وهنا يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا:
لا يمكن أن نطلب من الشباب أن يحب وطنًا يشعر أنه لا يمنحه فرصة عادلة.
حب الوطن ليس خطابًا يُلقّن للشباب، بل علاقة متبادلة.
الوطن يمنح الأمن والكرامة والفرص والعدالة الاجتماعية، والشباب يمنحه العمل والإبداع والطاقة والانتماء.

نريد أن يكون المغرب بلد الفرصة

نحن لا نريد مغربًا يطلب من شبابه الصبر إلى ما لا نهاية.
نريد مغربًا يستطيع فيه الشاب أن يقول:
سأبقى هنا… لأن لدي مستقبلًا هنا.
وهذه ليست مهمة الحكومة وحدها، بل مسؤولية الدولة والمؤسسات والمنتخبين والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وكل من يملك قرارًا أو قدرة على صناعة فرصة.
لكن الحكومة تتحمل مسؤولية أساسية لأنها تملك أدوات السياسات العمومية والميزانيات والبرامج.
ولهذا، في اليوم العالمي للشباب، لا نحتاج إلى خطاب احتفالي جديد.
نحتاج إلى مراجعة حقيقية.
نحتاج إلى أن نضع الشباب في قلب القرار الاقتصادي والاجتماعي، لا في هامش الخطابات.
نحتاج إلى الانتقال من سياسة الوعود إلى سياسة النتائج.
ومن منطق الإعانات المؤقتة إلى منطق خلق الفرص المستدامة.
ومن التعامل مع الشباب كفئة تحتاج إلى الرعاية، إلى التعامل معه كقوة اقتصادية واجتماعية قادرة على صناعة المستقبل.
لأن الشباب المغربي لا يحتاج من الدولة أن تعيش مكانه.
إنه يحتاج فقط إلى دولة لا تقف في طريقه.
وفي اليوم العالمي للشباب، السؤال ليس: ماذا سنقول لشبابنا؟
السؤال الحقيقي هو:
ماذا سنفعل من أجلهم؟
فإذا استمرينا في تقديم الشعارات بدل الفرص، والوعود بدل النتائج، والاحتفالات بدل السياسات، فلا ينبغي أن نتساءل بعد ذلك لماذا يحلم شبابنا بالهجرة.
لأن الوطن الذي لا يفتح أبواب المستقبل أمام شبابه، لا يستطيع أن يغضب عندما يبحث الشباب عن المستقبل في مكان آخر.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button