
بقلم: ليلى حبش حاريث
لم يعد الدعم الاستثنائي المباشر الموجه إلى مهنيي النقل الطرقي مجرد إجراء ظرفي يمر في صمت. فإعلان وزارة النقل واللوجيستيك عن حصة إضافية جديدة تغطي الفترة الممتدة من فاتح إلى 15 غشت 2026 يفتح من جديد واحدا من أكثر الأسئلة حساسية في المشهد الاقتصادي والاجتماعي المغربي: هل نحن أمام دعم استثنائي فعلا، أم أمام مسار أصبح يحتاج إلى مراجعة أعمق وأكثر جرأة؟
الوزارة أعلنت، اليوم الخميس، مواصلة تقديم الدعم لفائدة مهنيي نقل الأشخاص والبضائع، على أن تنطلق عملية تسجيل الطلبات الخاصة بالحصة الجديدة ابتداء من الأربعاء 19 غشت عبر المنصة الإلكترونية المخصصة لذلك.
الخبر قد يبدو، للوهلة الأولى، خبرا سارا لمهنيي القطاع. وهو كذلك بالنسبة إلى من يواجهون ارتفاع تكاليف التشغيل وضغط الأسعار وتقلبات السوق. لكن خلف هذا الإعلان سؤال أكبر من مجرد موعد التسجيل ومنصة إلكترونية.
لماذا يستمر الدعم الاستثنائي؟ ومتى تنتهي حالة الاستثناء؟
فحين تتكرر الحصص الإضافية للدعم، يصبح من المشروع إعلاميا واقتصاديا أن نتساءل: هل تمكنت الإجراءات الظرفية من معالجة أصل الأزمة، أم أنها باتت تؤجل انفجارا أكبر في كلفة النقل وانعكاساتها على المهني والمواطن والاقتصاد الوطني؟
دعم يخفف الضغط… لكنه لا يلغي أصل المشكلة، لا أحد يجادل في أن مهنيي النقل يشكلون عصبا أساسيا للاقتصاد. الشاحنات تنقل السلع، وحافلات وسيارات النقل تؤمن تنقل المواطنين، وأي اضطراب في القطاع يمكن أن يتحول سريعا إلى أزمة في الأسعار وسلاسل الإمداد والخدمات.
لكن الدعم المالي، مهما كان مهما، يظل في نهاية المطاف مسكنا إذا لم يترافق مع إصلاحات هيكلية تعالج تكلفة المحروقات، وتجديد الأسطول، والضرائب والرسوم، والتأمين، وشروط المنافسة، وتنظيم المهنة، وهوامش الربح، والعلاقة بين الناقل والمستهلك.
وهنا تكمن المفارقة، لان الدولة تدعم القطاع حتى يستمر، لكن السؤال هو: ما الذي سيتغير في اليوم الذي يتوقف فيه الدعم؟
ايضا، المواطن يدفع الثمن فالمعادلة لا تتوقف عند المهني. حيث تكلفة النقل تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أسعار المواد الغذائية والسلع والخدمات. ولذلك فإن أي ارتفاع مستمر في كلفة النقل يجد طريقه في النهاية إلى جيب المواطن.
ومن هذه الزاوية، فإن دعم مهنيي النقل لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره امتيازا لفئة مهنية، بل باعتباره جزءا من سياسة اقتصادية واجتماعية أوسع. غير أن هذه السياسة تحتاج إلى معايير واضحة وشفافية أكبر في تقييم نتائج الدعم.
فكم استفاد القطاع فعلياً؟ هل انعكس الدعم على استقرار الأسعار؟ هل حافظ على مناصب الشغل؟ و هل ساهم في تحديث الأسطول؟ وهل خفف فعلاً من الأعباء التي تهدد استمرارية المقاولات الصغيرة والمهنيين المستقلين؟
هذه ليست أسئلة معارضة للدعم، بل أسئلة ضرورية حتى لا يتحول الدعم الاستثنائي إلى اعتماد دائم على المال العمومي دون قياس دقيق للأثر. بين «المواكبة» و«الإدمان على الدعم»، فالمشكلة ليست في تقديم الدعم عندما تقتضي الظروف ذلك، وإنما في غياب أفق واضح للانتقال من الحلول الطارئة إلى الحلول المستدامة. حيث الاقتصاد القوي لا يقاس بعدد المرات التي تتدخل فيها الدولة لإنقاذ قطاع، وإنما بقدرة القطاعات على الصمود بعد انتهاء التدخل العمومي.
ومن هنا، ربما آن الأوان لطرح السؤال الأكثر استفزازا: هل يحتاج النقل الطرقي إلى حصة جديدة من الدعم فقط، أم يحتاج إلى نموذج جديد بالكامل؟ نموذج يجعل المهني قادرا على الاستمرار دون انتظار كل مرة لقرار استثنائي.
قرار إيجابي… لكنه يستحق مساءلة أعمق، لا شك أن الحصة الجديدة ستخفف بعض الضغط عن عدد من المهنيين، خصوصا في ظل استمرار ارتفاع تكاليف التشغيل. لكن الترحيب بالدعم لا ينبغي أن يمنع النقاش حول المستقبل.
بل العكس.
كل دعم جديد يجب أن يكون مناسبة لطرح السؤال حول الإصلاح التالي. فالمهني يحتاج إلى دعم اليوم، لكنه يحتاج أكثر إلى منظومة نقل عادلة ومستقرة غدا. والمواطن يحتاج إلى استقرار الأسعار، لكنه يحتاج أيضا إلى معرفة لماذا ترتفع تكلفة النقل، ومن يتحملها، وكيف تتم مراقبة أثر الدعم العمومي.
أما الدولة، فربما تحتاج إلى الانتقال من منطق «إطفاء الحرائق» إلى منطق بناء قطاع نقل أكثر قدرة على مواجهة الأزمات دون أن يتحول كل ارتفاع في التكاليف إلى مناسبة لفتح باب دعم استثنائي جديد.
الخلاصة ليست رفض الدعم، بل رفض أن يصبح «الاستثنائي» هو القاعدة. فإذا كانت الحصة الجديدة تمتد إلى 15 غشت، فإن السؤال الذي يجب أن يمتد إلى أبعد من ذلك هو: ماذا بعد 15 غشت؟
وهنا يبدأ النقاش الحقيقي.



